//Put this in the section //Vbout Automation

جرأة هيلين توماس – ساطع نور الدين – السفير

انتظرت اكثر من ستين عاما من عمرها المهني، لكي تعبر عما يدور في خلدها، وتعلن موقفها الوداعي المدوي، قبل ان تمضي الى التقاعد الذي ظلت على الدوام ترفضه وتعتبره خيانة عظمى للصحافة والكتابة، او ترى فيه وفاة مبكرة، حتى ولو في سن التاسعة والثمانين.

بعفويتها المعهودة وسلاطة لسانها المألوفة في الوسط الصحافي والسياسي الاميركي في واشنطن، عبرت الزميلة هيلين توماس على الأرجح عما جاهدت طويلا لإخفائه او تفاديه لكي لا ينتقص احد من موضوعيتها ومن حياديتها، ولكي لا تتعرض للطعن في ظهرها، من قبل أقرب الزملاء اليها، ومن اكثر المسؤولين حرصا على ودها او على تجنب الاشتباك معها. لكن يبدو انها اختارت اخيرا ان تتحدى، او ربما ان تختبر تلك الموجة المتشكلة بين النخبة الاميركية ومدى فعاليتها وجديتها في السعي الى التخفف من ذلك العبء التاريخي القديم، ومن عقدة ذنب مصطنعة في اميركا، بعكس القارة الاوروبية، لكنها تحولت في القارتين الى صناعة مربحة وسياسة مجزية.. وإلى مفارقة مبهمة لغير الاميركيين والاوروبيين.




في حفل يهودي في البيت الابيض في 27 أيار الماضي، سئلت هيلين توماس المتحدرة من عائلة انطونيوس اللبنانية الطرابلسية، عن كلمة تود ان توجهها الى إسرائيل فردت فورا على السائل وهو حاخام يهودي معروف: «قل لهم (للإسرائيليين) أن يغادروا فلسطين.. وتذكر أن هذا الشعب (الفلسطيني) خاضع للاحتلال، وهي أرضه..» وعندما طلب منها الحاخام ان تحدد الى أين يجب أن يغادروا أجابت: يجب أن يعودوا الى ديارهم الى بولندا وألمانيا، الى الولايات المتحدة او سواها.

وبعد ساعات على بث الشريط المصور على الانترنت، تحول موقف هيلين الجريء والصادق، الذي تضمره غالبية الاميركيين على اختلاف انتماءاتهم ومواقعهم لكنها تأبى ان تفصح عنه، الى عاصفة هوجاء في وجه السيدة الثمانينية التي كانت حتى الامس القريب أيقونة الصحافة الاميركية وقديستها، والعلامة الفارقة في غرفة المؤتمرات الصحافية في البيت الابيض، والسؤال اللاذع والمحبب والأول الذي توجهه عميدة المراسلين الى جميع الرؤساء الاميركيين من الراحل جون كينيدي الى الراهن باراك أوباما.. لكنها كانت قد اتخذت قرارها بالانسحاب من المقعد الامامي للسياسة الاميركية، والاكتفاء بالذكريات والكتب والمحاضرات عن تجربة صحافية رائدة، لا تنازعها سوى تجربة الاعلامية التلفزيونية الشهيرة باربره والترز.

في اللقاءات العابرة معها، لم يكن الانحناء للزميلة هيلين طوماس يعبر فقط عن التودد لتلك السيدة القصيرة القامة او التقدير لعمرها المديد، بقدر ما كان على الدوام يعبر عن الاحترام الشديد الذي يفرضه الوجود في حضرة صحافية عملاقة، ساهمت في رفع اسم الصحافة الاميركية عاليا، وفي تقديم مثال باهر لأجيال لا تنتهي من الصحافيات والصحافيين في مختلف انحاء العالم.. الذين كانوا وسيظلون يطمحون الى تلقي النصائح المهنية والسياسية من الجدة الحنونة، التي قررت التقاعد بجرأة تفوق قرار العمل في مهنة الصحافة في خمسينيات القرن الماضي.