//Put this in the section //Vbout Automation

العدالة الدولية بين اسرائيل والسودان – محمد السمّاك – المستقبل

لمناسبة الذكرى الثامنة لإنشاء محكمة الجنايات الدولية (معاهدة روما 1998) ترتفع علامة الاستفهام الكبيرة: لماذا أصدرت المحكمة مذكرة توقيف بحث الرئيس السوداني عمر البشير على خلفية مسؤوليته عن جرائم الحرب التي تتهم القوات السودانية بارتكابها في دارفور.. ولم تصدر مذكرة توقيف بحق الرئيس الاسرائيلي ايهود أولمرت على خلفية اتهامه بالمسؤوليته عن الجرائم ضد الانسانية التي ارتكبتها القوات الاسرائيلية في غزة ؟.

لم تجر الأمم المتحدة تحقيقاً قضائياً حول ما يعتقد انه جرائم حرب ارتكبت في دارفور. لقد صدرت الاتهامات على خلفية تحقيقات سياسية وروايات إعلامية. صحيح ان ذلك لا يقلل من أهمية هذه التحقيقات، ولكنه لا يعطيها الصفة القانونية، على عكس ما حدث بالنسبة لغزة. فالأمم المتحدة شكلت لجنة تحقيق قضائية برئاسة القاضي ريتشارد غولدستون (وهو يهودي من جنوب افريقيا) ووضعت اللجنة تقريراً حقوقياً مفصلاً أدان اسرائيل بشكل مباشر استناداً الى المواثيق الدولية والى شرعة الامم المتحدة والى القانون الدولي. مع ذلك فان المدعي العام لدى المحكمة الدولية مورينو أوكامبو يطالب برأس البشير وليس برأس أولمرت أو اي من أعضاء الحكومة الاسرائيلية السابقة الذين أمروا بالحرب على غزة ودافعوا – ولا يزالون يدافعون عنها. علماً بأنه لا السودان ولا اسرائيل من الموقعين على معاهدة روما.




تلقي هذه المشكلة بثقلها السياسي على مؤتمر كمبالا (يوغندة) ـ الذي تعقده الدول التي وقّعت وأبرمت معاهدة روما والتي يبلغ عددها 111 دولة. ذلك ان الموضوع الأساس المدرج على جدول أعمال المؤتمر هو إضافة مهمة جديدة الى عمل المحكمة الدولية. وحتى الآن تنحصر مهماتها في النظر في قضايا: الإبادة الجماعية، وجرائم الحرب، والجرائم ضد الانسانية. أما القضية التي يقترح اضافتها، فهي: العدوان.

ولكن ما هو تعريف العدوان؟ ومن يتولى تحديد هذا التعريف؟.

بالنسبة لرئيس الدولة السودانية فانه متهم بارتكاب جرائم حرب في دارفور. غير ان الرئيس البشير يرد على الاتهام بان التدخل الخارجي في دارفور شكل عدواناً على بلاده وانتهاكاً للسيادة الوطنية.

من هنا فاذا كان معنى العدوان هو انتهاك حرمة وسيادة دولة ما عضو في الأمم المتحدة، فهل أن ذلك يعني ان على المجتمع الدولي أن يقف مكتوف الأيدي وهو يرى جرائم حرب ترتكب خلف أسوار "السيادة الوطنية"؟. ولو اعتمد هذا التعريف للعدوان هل كانت مجازر رواندا والكونغو وسيراليون قد توقفت ؟ لقد اعتبرت صربيا أيضاً التدخل العسكري لقوات حلف شمال الأطلسي في كوسوفا بمثابة عدوان عليها. ولكن لو أن الحلف لم يبادر الى التدخل وبكثافة، هل كانت مجازر الإبادة الجماعية توقفت في يوغسلافيا السابقة وخاصة في كوسوفو والبوسنة؟.

بالنسبة لقطاع غزة ارتكبت اسرائيل بالفعل جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية ضد سكانه، كما أكد ذلك تقرير غولدستون، ولكن المجتمع الدولي خلافا لما حدث في افريقيا وفي البلقان، وقف مكتوفاً أمام هذه الجرائم التي ارتكبتها اسرائيل خلف أسوار "الدفاع عن النفس" ولم تصدر سوى إدانات شفهية وخجولة. فاين تبدأ السيادة الوطنية وأين تنتهي؟
وأين يبدأ حق الدفاع عن النفس وأين ينتهي؟

يفرض هذان السؤالان ذاتيهما على مؤتمر "كمبالا" الذي يستهدف تطوير عمل المحكمة الدولية وتوسيع صلاحياتها، فهل ينجح في ذلك؟.

في عام 1974 صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 3314 الذي وضع تعريفاً للعدوان. وبموجب هذا القرار يُعتبر عدواناً:

استخدام القوة المسلحة ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لدولة اخرى.

اجتياح إقليم تابع لدولة أخرى وضمّه، أو احتلاله.

قصف القوات المسلحة التابعة لدولة ما، إقليم دولة أخرى.

قيام القوات المسلحة لدولة ما بغزو دولة أخرى.

ومن الملاحظ ان هذه التحديدات الاربعة للعدوان تشكل أسس وقواعد وثوابت السياسة الاسرائيلية. وقد مارستها اسرائيل كلها ضد الفلسطينيين وضد الدول العربية القريبة منها والبعيدة عنها.

يوجد خارج إطار الصراع العربي ـ الاسرائيلي نموذجان متناقضان؛ النموذج الأول حول إدانة العدوان والثاني حول تبريره.

في الحالة الأولى، فان غزو الولايات المتحدة للعراق في عام 2003 الذي نفذ رغم معارضة مجلس الأمن الدولي، كان عدواناً صريحاً، خاصة بعد أن تبين أن كل التهم التي اعتمدتها ادارة الرئيس الاميركي السابق جورج بوش لتبرير العدوان ثبت انها ليست صحيحة. بل وثبت انها مفبركة عن سابق تصور وتصميم.

وفي الحالة الثانية وبعد أن اصبح الصومال مأوى لتنظيم القاعدة، ومركزاً لعمليات القرصنة البحرية، وخطراً يومياً على أهله، وبعد أن سادت فيه شريعة الغاب، فان غزوه بقرار من مجلس الأمن الدولي بهدف إعادته الى الشرعية الدولية لا يعتبر عدواناً.

فكيف يمكن صياغة نص يفرق بين الحالتين، بحيث لا يعطي القوى الكبرى مبرراً لارتكاب فعل العدوان تحت ذرائع أخلاقية أو انسانية أو حتى تحت ذريعة الدفاع عن النفس ؟.

لقد شنّت اسرائيل الحرب على غزة في عام 2008 واستعملت أسلحة محرمة دولياً بحجة دفاعها عن نفسها من صواريخ كانت تطلقها حركة حماس مصنوعة في ورش الحدادة المحلية !!.

وشنّت اسرائيل الحرب على لبنان في عام 2006 ودمرت بنيته التحتية بالكامل بحجة الرد على هجوم شنه فدائيو حزب الله على موقع اسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية المحتلة.

وطوال أيام الحربين وما رافقهما من خراب ودمار وتقتيل، كانت اسرائيل تتلقى الدعم المعنوي والسياسي خاصة من الولايات المتحدة، الأمر الذي يجعلها مع اسرائيل مسؤولة عن جرائم الحرب وعن الجرائم ضد الانسانية التي ارتكبتها القوات الاسرائيلية. غير ان الولايات المتحدة ليست عضوا في معاهدة روما. وقد عارضتها بشدة لأنها من حيث المبدأ ترفض ان يخضع أي مسؤول فيها سواء كان سياسياً أو عسكرياً للمساءلة أو للمحاسبة خارج حدود الولايات المتحدة وخارج محاكمها الوطنية وقوانينها الخاصة.

وعندما قال الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون في ذكرى قيام محكمة الجنايات الدولية أن عهد الإفلات من العقاب قد ولّى، وان فجراً جديداً قد بزغ هو عهد المساءلة، فانه بدا واقعياً لجهة التعامل مع دول العالم النامي، ولكنه كان بعيداً جداً عن الواقع لجهة التعامل مع الدول الكبرى التي تملك حق النقض في مجلس الأمن الدولي وعلى رأسها
الولايات المتحدة. وفي رأي بان كي مون "ان التحدي الذي يواجهنا هو أن نسعى الى تحقيق السلم والعدالة معاً، سواء بسواء، والمحكمة الجنائية الدولية تقوم بدور رئيسي في هذا المسعى". ولكن طالما ان هناك قوى دولية تتمتع بحصانة تحول دون مساءلتها أو محاسبتها مثل اسرائيل والولايات المتحدة، فكيف يمكن تحقيق العدالة وأين يمكن تحقيق السلام ؟!.