//Put this in the section //Vbout Automation

«زلزال» الشَّمال: العائلات تثأر – عبد الكافي الصمد – الأخبار

قلب الشمال معادلات وموازين سياسية قائمة في البلاد منذ سنوات كان هو قد أسهم بإرسائها في استحقاقات سابقة، بعدما كشفت الانتخابات البلدية أن متغيرات كثيرة طرأت على مزاج شارعه السُّني تحديداً.


لعل أبلغ العِبر التي يمكن استخلاصها من انتخابات الشمال، هي ما أفرزته من واقع شعبي سينعكس على الواقع السياسي، لأن «مقاطعة» طرابلس للانتخابات البلدية وتحوّل الوضع في الضنية والمنية وعكار على نحو لافت، يدلان على وجود أزمة داخل الأحزاب والتيارات السياسية.




طرابلس: ائتلاف ظرفي

إذا كانت الانتخابات البلدية شمالاً قد ترجمت الحضور البارز لتيار المردة والتيار الوطني الحر والحزب السوري القومي الاجتماعي في الشارع المسيحي، فإنها عكست تراجعاً لنفوذ تيار المستقبل في الشارع السُّني، امتد في الوقت نفسه إلى حلفائه في طرابلس الذين عجزوا مجتمعين عن دفع ناخبيهم في عاصمة الشمال إلى الإقبال على صناديق الاقتراع.

يدل تدني معدل الاقتراع، وفق قراءات مراقبين، على أن المواطنين «ليسوا مقتنعين بوجود مشروع سياسي أو إنمائي يدفعهم إلى النزول والتصويت لترجمة توافق محاصصة سلبي، فكانت ردة فعلهم طبيعية حيال أمر غير طبيعي».

هذا الأمر ظهر واضحاً في عدم تلبية فئات واسعة محسوبة على أركان التوافق الأربعة المتمثلة بالرئيسين عمر كرامي ونجيب ميقاتي والوزير محمد الصفدي وتيار المستقبل، النداءات والاتصالات التي أجريت معها لحثها على التصويت، ففضلت البقاء في بيوتها.

هذه اللامبالاة حيال الاستحقاق البلدي في طرابلس شبّهته مصادر سياسية بـ«الزلزال الذي لم ينج منه أحد، وتداعياته ستبدأ بالظهور تباعاً، بعدما تعرض معظم نواب تيار المستقبل وقياداته لنكسات كبيرة، وإثر وصول ميقاتي إلى ما يشبه الاقتناع بأن بقاءه رمادياً غير ممكن لأنه يستنزف رصيده الشعبي تدريجاً، وأن كرامي يحتاج إلى إعادة قراءة لتحالفه المستجد مع المستقبل كي لا يصاب دوره كمرجعية في المدينة بالانكماش، فضلاً عن أن ذوبان الصفدي داخل تيار المستقبل ألغى وجود تنوّع سياسي في طرابلس، باتت تحتاج إليه اليوم أكثر من أي وقت مضى».


وكشفت المصادر أن تقدّم عربي عكاوي، المرشح الشاب ونجل مؤسس المقاومة الشعبية الراحل خليل عكاوي، صدارة مرشحي لائحة التوافق «يدل على مدى حاجة المواطنين إلى رمز كي يلتفوا حوله»، مشيرة إلى أن «سعي الجماعة الإسلامية إلى استغلال ما حققته من بعض حضور أمر طبيعي، لأن الفراغ مخالف لطبيعة الأشياء».

غير أن أوساطاً إسلامية مطّلعة لفتت إلى أن «الحديث عن ارتفاع شعبية الجماعة أمر مبالغ فيه، لأنها تشهد أزمة داخلية كبيرة بدأت تتبلور في أحاديث عن استقالات جماعية داخلية متوقعة في صفوفها، وتحديداً في طرابلس، رفضاً لالتحاق «الجماعة» بتيار المستقبل في بيروت والجنوب والبقاع والإقليم، وعدم الرضى عن هذا الالتحاق شكلاً ومضموناً دفع إلى اتخاذ خطوة قد تهدد بنية الجماعة في آخر معاقلها نفوذاً وحضوراً».

الضنية: عودة الأحجام إلى طبيعتها

عندما أسفرت الانتخابات البلدية في مرحلتها الثانية في 9 أيار الماضي التي جرت في محافظة البقاع، عن بروز ملامح تدل على خروج فئات مهمّة في تيار المستقبل من تحت عباءته، وتحديداً في قرى البقاع الغربي وبلداته، جرى التعامل معها كأنها حالات استثنائية لا تعكس هذا الواقع، وأن «الغطاء الأزرق» ما زال يلف الشارع.

لكن ما كشفت عنه نتائج الانتخابات البلدية في الشمال، وتحديداً في الضنية، أظهر أن زلزالاً سياسياً حصل فيها، وأن تداعياته ستكون بالغة التأثير، لأن تيار المستقبل تلقّى في منطقة ذات صبغة سُنية كبيرة «ضربة» لم يكن أكثر المتشائمين بوضع التيار في المنطقة يتوقعها.

فالخسارة المدوّية للائحة المدعومة من النائب أحمد فتفت في مسقط رأسه في بلدة سير، إضافة إلى خسارة تيار المستقبل بلديات عدة كانت في متناوله مقابل فوز بلديات خارجة عن نفوذه في المنطقة، مثّلت رسالة بالغة الأهمية للقيادة العليا للتيار، تفيد بأن ثمة أخطاءً مورست في الفترة السابقة في الضنية، وأن المكابرة في عدم الاعتراف بها ستؤدي إلى تنامي خسائر المستقبل.

وفيما رأى فتفت أن نتائج انتخابات سير مثّلت «صدمة» له، أكد رئيس اللائحة الفائزة المنافسة للائحته أحمد علم، أنه «فوجئ بالنتائج، لكننا نلفت نظر الجميع إلى أننا نمثل عائلات سير فقط، ولسنا مدعومين ولا ننتمي إلى أي حزب أو تيار سياسي»، مشيراً إلى أنهم «خلقوا المعارضة في سير إعلامياً ليقولوا إن هناك تيارات وأحزاباً وجهات معارضة، فنحن كنا من مؤيدي تيار المستقبل في الانتخابات النيابية العام الماضي».

لكن خسارة المستقبل لم تقتصر على سير، برغم دلالاتها السياسية الكبيرة، بل إن النائب الآخر قاسم عبد العزيز تعرض وتيار المستقبل لهزيمة «مدوية» في بلدة بخعون على يد النائب جهاد الصمد، الذي كرس نفسه مرجعية سياسية رئيسية في المنطقة.

في موازاة ذلك، رد النائب السابق أسعد هرموش الدّين لتيار المستقبل بفوز اللائحة المدعومة منه في بلدته السفيرة على اللائحة المدعومة من تيار المستقبل، بالتزامن مع استعادة الجماعة الإسلامية بعض حضورها في الضنية بعدما تدثرت تحت عباءة العائلات.

وفي منطقة المنية، كشفت نتائج الانتخابات البلدية في منطقة المنية أن حسابات العائلات السياسية فيها تختلف جذرياً عن حسابات تيار المستقبل. ففي بلدية المنية أثمر تحالف عائلتي النائب الراحل هاشم علم الدين والنائب السابق صالح الخير تأليف لائحة استطاعت إبقاء مصطفى عقل رئيساً للبلدية لفترة ثانية، في تطور كشف أن العائلات السياسية الكبيرة في مناطق الأطراف عندما تتوافق فإنها تحتضن العائلات الأخرى من جهة، وتختصر الأحزاب والتيارات السياسية من جهة ثانية. لكن هذه العائلات رفضت التخلي عن دورها السياسي في نطاقها المحلي، وهو ما تمثل في فوز لوائح عائلات محلية على لوائح دخلت السباق تحت عباءة تيار المستقبل، كما حصل الأمر في بلدة بحنين، فيما أدى انقسام عائلات محسوبة على تيار المستقبل إلى فوز جناح على آخر، وهو ما حصل في دير عمار بعدما كان المشهد ذاته قد تكرر في بلدة قرصيتا الجردية أيضاً.