//Put this in the section //Vbout Automation

كرة الحرية – ساطع نور الدين- السفير

تحررت جنوب افريقيا مرة اخرى، وانعتقت ذاكرتها من حقبة العبودية والاضطهاد، عندما حققت امس آخر خطوات المصالحة مع تلك الكرة التي كانت حلماً صعب المنال لأطفال المعازل السوداء، وسبيلاً للتحرر والتنظيم والانضباط لأولئك الأسرى الكبار في جزيرة روبن الذين صاروا حكاماً ومسؤولين جلسوا في المنصة الرئيسية وحولهم ضيوف كبار من جميع انحاء العالم وجمهور يهتف للحرية المتجذرة، ويوجه تحية لبطله ورمزه التاريخي المقيم.


كانت اشبه بقفزة عبر الزمن: الافارقة الذين ظلوا لقرون طويلة وجبة الوحوش المفترسة وقربان الآلهة الغاضبة وتسلية الأباطرة والملوك وخلفائهم من المستعمرين البيض، تمكنوا أخيراً من فك قيودهم الثقيلة واستعادوا سيطرتهم على اجسادهم القوية وارواحهم الندية، وشرعوا في الرقص والغناء واللعب، والتمتع بحرية مستعادة، وبأرض مستردة، وهوية ظلت حبيسة القلوب والنفوس، لكنها لم تسقط يوماً ولم يكن مصيرها الضياع، مثل هويات شعوب أخرى عديدة خرجت من التاريخ.





باتت جنوب افريقيا دولة كبرى تصنع أحداثاً عالمية، وتقدّم شعبها الأسود، الذي تصالح مع نفسه ومع ماضيه وبات يتطلع الى المستقبل بثقة وامل، في عرض فني ورياضي ممتع يعيد الى الاذهان تلك العروض التي كانت تتباهى بها دول عظمى، ارتقت الى مراتب العظمة من خلال تجاربها الاستعمارية السوداء، ولم تكن متأكدة من ان ذلك البلد الواقع على الطرف الجنوبي للقارة الافريقية قادر على تنظيم مثل هذا الحدث الرياضي المهم، وعلى استضافة تلك المسابقة الكروية البارزة التي يتابعها ثلث البشر.


حفل الافتتاح كان ممتعا، باهرا، حتى بالمقاييس الغربية، لم يكن ينقصه سوى ظهور اسطورة جنوب افريقيا وقديس حركات التحرر في مختلف انحاء العالم، لكي يمحو الجميع مرة والى الأبد ذكريات تلك السنين الظالمة في جزيرة روبن عندما كان رفاق نلسون مانديلا من المؤتمر الوطني الافريقي ومؤتمر عموم افريقيا يغادرون الزنازين الضيقة ويخرجون الى الهواء الطلق في باحة السجن لتنظيم مباريات في كرة القدم مستخدمين الثياب البالية وشباك الصيادين، ثم يعودون خلف القضبان لكي ينظموا مسيرة النضال ويتوزعوا ادوارها في ما بينهم، كأي فريق كروي ماهر.


ربما لم يكن هذا هو قصد الاتحاد الدولي لكرة القدم، لكن اختيار القارة الافريقية وبالذات أقصى جنوبها الخارج للتوّ من رحلة عذاب طويلة، لتنظيم مونديال العام 2010، أتاح للعالم ان يلقي بنظرة تأمل في ذلك الاتجاه البعيد وذلك الافق المستبعد من الكرة الارضية ومراكز اخبارها وافكارها اليومية، وأن يتعرف على ما جرى في ذلك البلد المؤثر طوال السنوات العشرين الماضية، عندما خرج مانديلا من الأسر رافعاً قبضته في السماء وأطلق عبارته الشهيرة «اماندلا» أي السلطة للشعب حسب لغة الزولو. وهكذا كان.


حفل الافتتاح الذي رقصت فيه جنوب افريقيا وغنت، اكسب لعبة كرة القدم هوية انسانية جديدة، تكاد تضيع وسط اقدام مخترعي اللعبة الاكثر شعبية في العالم، او المتاجرين بها، او الذين يسقطون عليها عيوبهم السياسية والاجتماعية ويعتبرونها مدخلا للسلطة او الشهرة.. مع انها ابسط واهم من ذلك بكثير.