//Put this in the section //Vbout Automation

من هيلين توماس إلى إيران – الفضل شلق – السفير

النخبة الاميركية الحاكمة تطّهر نفسها من الدنس. تُطرد هيلين توماس بعد خدمة نصف قرن كمراسلة في البيت الابيض . تطردها لأنها دنست المقدس الاميركي. ليس المقدس رمزاً لدين أو طائفة معهودة بل هو الصهيونية الاسرائيلية.

عندما يتعلق الأمر بهذا المقدس الأميركي – الصهيوني الاسرائيلي، لا يخضع الأمر لمعايير متدرجة بين الخطأ والصواب، ولا حتى لمعايير متدرجة بين الكفر والإيمان. ليس هناك إيمان يزيد وينقص ولا منزلة بين المنزلتين. هناك فقط معياران هما الكفر أو الايمان. إما أن يكون المرء مؤمناً يستحق الثواب أو كافراً يستحق العقاب؛ إما يكون المرء معنا أو ضدنا؛ إما أن يكون المرء داخل الجماعة، مقبولاً فيها، أو أن يكون خارجها، مستبعداً منها. يذكرنا ذلك بما كان بوش الابن يقوله، إما معنا وإما ضدنا، وينبهنا الى أن الايديولوجيا التي جاءت به الى السلطة لم تكن ظاهرة معزولة، بل هي بنية أيديولوجية واحدة للنخبة الحاكمة، وان اختلفت التعابير بين هذا الجناح أو ذاك. الحزبان، الديمقراطي والجمهوري، هما جناحان لمؤسسة حاكمة واحدة. خالفت هيلين توماس طقوس الايمان ومتطلبات العقيدة فأُخرجت من الهيكل.

اللافت هو أن الاميركيين لا يتعصبون لأديانهم وطوائفهم كما يتعصبون لاسرائيل، واللافت أيضاً أن الأميركيين لا يطبقون على أنفسهم المعايير التي يطبقونها على اسرائيل؛ ولا يسمحون لأنفسهم القيام بما تقوم به اسرائيل. اسرائيل مؤسسة لا تقبل الانتقاد، بينما هم ينتقدون أنفسهم وارتكاباتهم أحياناً، أو على الأقل يسمحون بذلك.

يتسامحون تجاه اسرائيل بما لا يتسامحون به مع رعاياهم. يستطيع أي امرئ من داخل الولايات المتحدة أو خارجها أن ينتقد أديانها وطوائفها ورموزها الدينية من دون أن يلاقي الانفعال نفسه كما لو انتقد أية سياسة اسرائيلية عادية. هم أحرص على اسرائيل مما على أنفسهم. اسرائيل هي المقدس لديهم. المقدس لا يُطال ولا ينتقد. يستطيع الأميركي أن يكفر بأميركا لكنه لا يستطيع أن يكفر بإسرائيل. لم توفر هيلين توماس رئيسا أميركياً ولا سياسة اميركية، منذ كينيدي حتى اليوم، من انتقاداتها اللاذعة. لكنها ما أخرجت من الهيكل لذلك؛ نالت الاحترام والاجلال خلال فترة وجودها في البيت الابيض إلى أن طالت اسرائيل بالنقد وهي في التسعين من العمر. فكان اخراجها من الهيكل قسرياً ومهيناً.

يعشق الاميركيون اسرائيلهم الصهيونية، كما يعشق الصوفيون إلههم ونبيّهم. مقابل العشق هناك بغض؛ العشق والبغض يتلازمان. من يعشق شخصاً يبغض نقيضه او عدوه. يجر العشق لاسرائيل إلى بغض من تعتبرهم اسرائيل أعداءها. في الذهن الاميركي، العرب والمسلمون عامة، هم أعداء اسرائيل؛ لذلك يحق أن تحلّ عليهم النقمة.

قالت هيلين توماس أن على الاسرائيليين أن يعودوا إلى مواطنهم الأصلية التي جاؤوا منها. لم تقل هيلين توماس أكثر مما قاله أحمدي نجاد. ليست هيلين توماس مسلمة. وليس أحمدي نجاد عربياً. هي أميركية المولد، وهو ايراني الرئاسة. لم تستطع أن تتحمل عقوداً طويلة من زيف الادعاءات الاسرائيلية ودعم أميركا لها. وايران لم تستطع أن تتحمل عقوداً طويلة من الامر نفسه في أيام الشاه الذي جعل ايران مطية لاسرائيل واولياء أمورها. طردت هيلين توماس، وطردت ايران، وحلت بهما كليهما العقوبة؛ عقوبة استبعاد من تنظيم مراسلي البيت الابيض وعقوبة استبعاد ايران من المجموعة الدولية. في محاكم تفتيش القرون الوسطى كان يحكم على خصوم الكنيسة بالاستبعاد وعقوبات الموت شنقا أو حريقا أو غير ذالك…

هي محاكم تفتيش القرن العشرين يمارسها مجلس الأمن حصاراً، ثم حرباً كما حدث للعراق. إذا كان السلاح النووي هو سبب العقوبات على إيران فلماذا لا تطال العقوبات ذاتها إسرائيل والدول المجاورة لإيران، أي باكستان والهند؟ أم أن عداء إيران الصارخ لإسرائيل هو السبب الحقيقي وراء الحملة الأميركية عليها؟

إيران موقعة على اتفاقات منع انتشار السلاح النووي، والهند والباكستان لم توقعا. ناهيك باسرائيل التي ترفض الكشف عن سرها النووي الشائع. هؤلاء لا ينالون العقاب الذي استحقته ايران التي اتخذ مجلس الأمن قرار استبعادها واخراجها من هيكل المجموعة الدولية.

تفرض العقوبات على ايران بعد اسابيع قصيرة من اعلان اتفاق ايران – تركيا – البرازيل بخصوص متعلقات السلاح النووي. ضرب الأميركيون بهذا الاتفاق عرض الحائط، لم تعتبر في مجلس الأمن أن الاتفاق كافٍ؛ فرضت عقوبات في مجلس الأمن رغم الاتفاق. جعلت المسلمين سنة وشيعة يشعرون أن كل حل في ما بينم لن يكون كافياً، إن كل اتفاقاتهم ليست بمثابة اتفاقات دولية تستحق الاحترام، ان كل ما يقوله قادتهم (ولو كان بينهم رؤساء في الحلف الأطلسي، ورؤساء من أميركا اللاتينية) لن تكون شيئاً يعتدّ به. على كل بلد اسلامي وغير اسلامي في العالم الثالث الانصياع وحسب.

لن يستطيع أحد اقناع مسلمي العالم أن عقوبات مجلس الأمن التي جاءت في سياق تاريخي معيّن والذي شاركت فيه دول اسلامية ودول العالم الثالث… لن يستطيع أحد اقناع مسلمي العالم أن ما تطرحه المجموعة الدولية أقل من حرب ثقافية، وان هدف العدوان ليس أقل من ابقاء اسرائيل سيدة المنطقة.

كلام المسلمين غير مقبول. كلام السادة في مجلس الأمن مقبول. كلام يقرر مصير بلد اسلامي كبير. هذه هي الحرب الثقافية التي تحدث عنها العالم على مدى العشرين سنة الماضية منذ أن أصدر هنتنغتون كتابه حول صراع الحضارات. استغرب الكثيرون صدور هذا الكتاب وهاجموه. لكنه هو جوهر السياسة الأميركية حيال منطقتنا. هو صراع الثقافات والاديان.
وسيكون للمقدسات دور كبير فيها. المقدس الاميركي الغربي الاساسي هو اسرائيل. وكل شيء يقومون به هو لمصلحة اسرائيل وارتكاباتها. يدينون الغير لما لم يرتكبه ويبرّئون اسرائيل مما ارتكبته. هذا هو جوهر صراع الثقافات العنصري. وما عادوا يتحملون هيلين توماس ولا ايران ولا غيرهما ممن يعتبر عدوا لاسرائيل. اسرائيل في نظرية صراع الثقافات دولة مؤسسة على ثقافة. وهي يجب أن تبقى على الارض المخصصة لهذه الثقافة. وكل ما ترتكبه بحق السكان الاصليين وانصارهم يجب أن يدان ويقمع بالقوة. وهذا ما يفسر قرار العقوبات في مجلس الأمن: قرار لخدمة إسرائيل وحسب.

كل من تقرّر إسرائيل أنه الخصم أو العدو، من هيلين توماس إلى إيران، ينال العقوبة التي يستحق!