//Put this in the section //Vbout Automation

صفير وفيلتمان … على المحك – ادمون صعب – السفير

«الوطن للإنسان، والسماء للأديان التي تهيّئ الإنسان لمملكة الله، ولكل فردوس فيه من الرحابة ما يجعله متسعاً، بالمشيئة السماوية، لكل الناس متى آمنوا واعتصموا بالتقوى، وليس من تحاربوا».
غسان تويني
(في «دور الثقافة في المستقبل العربي»)

خُيّل إلى الذين واكبوا زيارة البطريرك الماروني الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير لزحلة الأحد الماضي من أجل تدشين المطرانية المارونية وكاتدرائية مار مارون في حوش الأمراء إحدى ضواحي المدينة، أنهم أمام «بطريرك آخر»، مختلف كلياً عن ذلك الذي زار فرنسا في الأسبوع الذي سبق الحج إلى زحلة. إذ لم يصدقوا أن رئيس إحدى الطوائف الرئيسية المؤسسة للكيان يُخاطب المقاومة التي تنتسب إلى طائفة كبرى مماثلة، في عددها ودورها وتضحياتها، بمثل اللغة التي استعملها في التصريحات التي أدلى بها في ما وصفه بـ«ابنة الكنيسة البكر» إثر لقائه الرئيس الفرنسي نيقولا ساركوزي، ثم وزير الخارجية برنار كوشنير، وكذلك خلال اللقاء الذي جمعه بأعضاء لجنة الشؤون الخارجية في الجمعية الوطنية الفرنسية (مجلس النواب).




فهو أشار في الحوار الذي أُجري معه في لجنة العلاقات الخارجية إلى أن «بعض الطوائف تفضل مصلحتها وحلفاءها على مصلحة أبناء الوطن الواحد». وكان واضحاً هنا أنه يقصد علاقة الطائفة الشيعية بإيران.

وإذ كرّر موقفه القائل «إن غالبية اللبنانيين لا تنظر نظرة «حزب الله» لجهة وجود جيشين في دولة واحدة»، قال إن إيران تمارس
ضغوطاً على لبنان «بواسطة حزب الله الذي له استراتيجيته وحساباته».

ولم يحسب البطريرك، وهو الرجل الجليل الذي تجاوز التسعين من عمره الشهر الماضي والذي عُرف بحكمته وبُعد نظره، أن ما يقوله في الخارج، ولدى أعلى المقامات، قد تكون له انعكاسات سلبية، بل مدمرة، على العيش المشترك المسيحي ـ الإسلامي، وخصوصاً بين الموارنة والشيعة، وهو العيش الذي طالما اعتبر نموذجاً، إذ نادراً ما اختل الميزان بين هاتين الجماعتين، برغم الظروف الصعبة التي مرت بلبنان منذ الاستقلال.

وكانت قمة هذا الكلام ما أدلى به البطريرك صفير إلى قناة «العربية» السعودية وشكك فيه بوطنية «حزب الله»، حين طالبه بأن «يكون وطنياً أكثر من انجذابه إلى إيران»، متهماً إياه بأن «روابطه الدينية لا تلبث أن تصبح سياسية»، معتبراً أن «السلاح في يد «حزب الله» تمتد مخاطره على لبنان كله حيث يمكنه توجيهه إلى حيث يشاء». وأبدى صفير تخوفه من «أن يحاول «حزب الله» السيطرة على لبنان مستقبلاً».

وشاءت المصادفة أن يدلي البطريرك بتصريحاته هذه في الوقت الذي نشرت «السفير» ترجمة لنص شهادة مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى جيفري فيلتمان في جلسة استماع بشأن «حزب الله» في مجلس الشيوخ الأميركي في الثامن من الشهر الحالي، أي قبل أسبوع من زيارة البطريرك لفرنسا.

وقد تقاطعت نظرة فيلتمان إلى «حزب الله» ورؤية البطريرك له، إلا أن فيلتمان كان أكثر واقعية من خلال اعترافه بأن الحزب «لا يزال أكثر المجموعات الإرهابية قدرة في العالم»، وهذا كاف لطمأنة اللبنانيين لا لتخويفهم كما يفعل البطريرك ومن يلوذون به.

لذلك قال فيلتمان إن الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله تجرأ أخيراً وهدد إسرائيل بأن «الحزب سوف يستهدف الإسرائيليين والسفن الحربية والتجارية المتجهة إلى إسرائيل، إذا ما قامت هذه بأي عمل هجومي ضد الموانئ اللبنانيية، أو فرضت حصاراً بحرياً على لبنان في أي صراع في المستقبل».

يبقى أن العقل الذي تحدث عنه البطريرك صفير ونُسب إليه الفضل في حماية العيش المشترك في البقاع كله، وليس بين زحلة ومحيطها الإسلامي، هو الذي تكفل بإزالة الستارة التي اعتمدها البطريرك وفيلتمان للفصل بين المقاومة، بمجاهديها وشهدائها، وشعبها المقاوم الذي تنتمي إليه، وهو الشعب الذي توجه إليه البطريرك في البقاع بعدما خلع جبّته التي ارتداها في فرنسا، وقد جعلته الجبّة البقاعية يبدو أكثر عقلانية وموضوعية وأكثر قرباً من مار مارون.

وهذا يعني أنه بطريرك المشرقيين المقيمين في ديار العروبة والإسلام، من أنطاكية في تركيا، إلى شواطئ البحر المتوسط. وقد شهدت هذه الربوع أغنى تجارب العيش المشترك منذ وفاة القديس مارون قبل 1600 سنة. وهذا يلقي عليه مسؤولية كبيرة تجاه العرب، وخصوصاً فلسطين.

وبدا البطريرك صفير كمن يكفّر عن ذنوبه حين دعا في تدشين كاتدرائية مار مارون في حوش الأمراء ـ وهذه لها رمزيتها بالنسبة إلى موارنة زحلة ـ إلى «الوحدة ورص الصفوف والمصالحة، إذا كان الوضع يستدعي المصالحة. وهذا يعزز الوجود القائم في هذه المنطقة والتفاهم السائد بين أبنائها على اختلاف انتماءاتهم الدينية». ومعروف أن البقاع هو خزان المقاومة، وهو شيعي بأكثريته.

وأضاف: «وقد تجمع في هذه الرقعة من الأرض عدد لا يستهان به من اللبنانيين على اختلاف نزعاتهم الدينية والطائفية، وقد أصابها ما أصاب سواها في فترة الاضطراب، من تهجير قسري. ولكن العقل تمكّن من التغلب على النزاعات الفردية، وسادت روح التسامح، وقبول الآخر، والعيش المشترك. وهذا ما نهنئكم عليه».

ألا يعني ذلك أن الشيعة كانوا دوماً وطنيين، لذلك تجندوا في المقاومة للدفاع عن الوطن والأرض بالروح والدم ليبقيا لجميع اللبنانيين بدون استثناء؟

إذ يروي الرئيس الياس الهراوي في سيرته التي أعدها الزميل كميل منسى ونُشرت بعنوان «عودة الجمهورية من الدويلات إلى الدولة»، أن جد والده يونس الهراوي نزح من بسكنتا إلى البقاع مطلع القرن التاسع عشر، وبعدما أقام فترة في عنجر انتقل إلى زحلة محاولاً الإقامة فيها، فلم يوفق بسبب رفض مجلس العائلات السبع الكاثوليكية في زحلة السماح لأي ماروني بالإقامة فيها، إلا إذا تخلى عن مارونيته واعتنق مذهب الملكيين الكاثوليك، فرفض. وبعد التداول قرر المجلس السماح له بالإقامة خارج المدينة في حوش الأمراء التابع للمعيين.

وهكذا بقيت زحلة ملكية كاثوليكية صافية، مقفلة في وجه الموارنة، في حين ملأ الموارنة الذين تقاطروا إلى السهل الخصب، وخصوصاً أيام المجاعة في الحرب العالمية الأولى، البقاع وأقاموا أفضل العلاقات مع المسلمين، وخصوصاً الشيعة الذين حضنوهم منذ مغادرتهم الأراضي السورية في أفاميا وأنطاكية وطرطوس واللاذقية وحوران وحلب والمعرّة هرباً من الاضطهاد وبحثاً عن الحرية والاستقلال. واستمروا تابعين مرة لأبرشية دمشق ومرة لأبرشية صيدا وصور، إلى أن أُقرت لهم أبرشية عام 1977 وبدأ الكاثوليك الملكيون يعترفون بهم بعدما سمحوا لهم تدريجاً بالإقامة في زحلة. من هنا تاريخية الزيارة.

فعسى أن ينجد العقل اللسان فلا يوقظ الفتنة النائمة.

 آمين.