//Put this in the section //Vbout Automation

لكن أين العرب في بلاد العرب؟ – بول شاوول – المستقبل

هل علينا، نحن العرب، أن نكتفي ونبتهج بردود الفعل العالمية على جريمة إسرائيل التي ارتكبتها في "أسطول الحرية" واغتالت فيها عدداً من المتطوعين المنتمين الى 40 جنسية، ونكبر ذلك، ونعزف "أناشيد النصر"، ونلقي خطب الظفر… وأراجيزه ومواويله ونبشر بنهاية هذا الكيان الصهيوني؟ أيجب أن نكتفي بإكبار الموقف التركي الذي عبّر عنه رئيس الحكومة أردوغان، فنزيح "الأحمال" عن أكتافنا، ونحمّل سوانا مهمة مواجهة إسرائيل، أو اتخاذ القرارات والخطوات المناسبة لهذا الحدث البشع، المنتهك للقوانين الدولية، والإنسانية، والحقوق العربية بالذات! ايجب أن نصفق أيضاً لتصريحات الرئيس الإيراني الذي يصرح دائماً، ويهتف ضد الكيان الصهيوني ويبشر بقرب نهايته؟ أيجب أن نكتفي بالتهليل للمواقف العالمية الأخرى المنددة بالجريمة الصهيونية في وضح البحار، وببيان مجلس الأمن، ثم نضيف بيانات الأنظمة العربية والجامعة العربية ووزراء الخارجية العرب والأحزاب والمنظمات المختلفة، وأصوات المعارضة هنا وهناك… لكي نسجل ما نتوقع أن نسجل، ثم ندعو بالمكبرات، أو من التلفزيونات والإذاعات والصحف والمنابر الى المقاومة والجهاد والكفاح..!

بحيث تتكرر الأصوات ذاتها، والكلمات ذاتها، والهتافات ذاتها… والتي ألفتها آذاننا وعيوننا على امتداد 62 عاماً من النكبة، وما تخللها من اعتداءات وحروب واحتلالات وانتهاكات وتهديد لفلسطين والجولان… والقدس والهواء والسماء والناس!ما ارتكبته إسرائيل سبق أن ارتكبت أبشع منه، وأكثر بربرية ووحشية، وسيسجّل في المستقبل ما يفوقه بشاعة وجنوناً وعنصرية فهذه هي طبيعتها أو على الأقل هذه هي مكوّنات "قوتها": ثقافة العدوان والاستباحة واعتبار حدودها كل العالم… فعندما لا تعترف "دولة" بحدود الآخرين، فيعني أنها تعتبر نفسها حدود كل العالم. وهل ننسى مجزرة كفر قاسم، أو مجزرة قانا… مثلاً والمجازر في حق اللبنانيين والفلسطينيين والمصريين والسوريين… على امتداد "الصراع" (هل ما زال ثمة صراع بين العرب وإسرائيل أم أن الصراع اقتصر على إسرائيل باعتبار أن العرب تعبوا من "الانتصارات" ومن "التحرير" ومن مشاق الحروب، واسترداد الأراضي السليبة. فاستكانوا الى كلام الليل الذي يمحوه النهار.




قد لا تكون المفاجأة جاءت من الجريمة الصهيونية، وطريقة الهجوم الوحشي على "أسطول الحرية"، وقتل الأبرياء والعزّل من المتطوعين، وهو متوقع: وهل ننتظر من الأفعى أن تبخ العسل؟ ولأنه من سوابقها. المفاجأة الكبرى كشفت من جديد واقع الأنظمة العربية من النزاع مع الدولة العبرية، وأظهرت أن "أبطال" هذه الأنظمة "المفوّفين" بالغار والرجولة والأوسمة هم وراء الحدث، وفي الصفوف الخلفية من المشهد.

وأن المبادرة ساقطة من أيديهم لأنها باتت في أيد غير عربية. بل كأن القضية العربية المركزية (أي فلسطين) لم تعد لا مركزية، ولا عربية. فلا زمام ولا أمور. ولا مَنْ يقول مفيداً، ولا من يفعل. لا شيء! بل كأن الصراع بين العرب وإسرائيل حوّلته بعض الأنظمة (المهزومة! والباقية بفعل هزيمتها! وذلّها) الى صراع بينها من ناحية، وإلى صراع مع شعوبها من ناحية أخرى، بحيث لم توفر شيئاً للمواجهة الحربية، ولا للمفاوضات، وهل تفاوض إسرائيل بجدية أطرافاً سلّموها مفاتيح المفاوضات، وتواطأ بعضهم معها، ضد لبنان مثلاً، وضد الفلسطينيين (في لبنان وسواه)، وضد القضايا العربية، بحيث تحوّل بعض هذه الأنظمة مجرد أدوات تدمّر الكيانات العربية، وتبعثر النضالات العربية، وتقسّم الأراضي العربية، وتثير الفتن بين المجموعات العربية… ربما، خدمة لإسرائيل أو خدمة لنفوذها أو خدمة لأعداء العرب تحت شعارات باتت ممجوجة ومضجرة وتافهة تُرفع "عالياً" لتغطية ممارساتها المشينة.

ومن حق الناس أن يصرخوا (إذا سُمح لهم بالصراخ): أين العرب؟ نعم! أين العرب؟ أين صارت مواقعهم؟ وماذا فعلت هذه "الحاكميات" بشعوبها، حتى "روضتها"، واقتلعت من ضمائرها وعقولها كل نبض بالمقاومة، أو بالتفكير، أو بالاحتجاج، أو بالنقد، أو بالمحاسبة، أو بمجرد السؤال؟ من حق العرب (وأقصد الناس) أن يتساءلوا: أين تذهب جهودهم؟ أين تذهب قضاياهم؟ أين تذهب أموالهم؟ وأين هي الأسلحة التي اشترتها بمليارات الدولارات وبكل العملات؟ أين هي مدفونة؟ أين جيوشنا وماذا تفعل؟ وهل بقيت عندنا حدود، أو استقلال، أو سيادة، ما دامت إراداتنا ودائع "أمينة" عند القوى الخارجية، وخيراتنا مسروقة من قوى "الداخل"، وحرياتنا مُنتهبة وكراماتنا مبتذلة!

نعم! من حق العرب أن يرفعوا الصوت: لماذا يجب أن تتراجع قياداتنا الى الخلفيات المظلمة (وربما المتواطئة)، وتتقدم تركيا رافعة لواء المواجهة ضد إسرائيل، وهي التي كانت حليفتها (وربما ما زالت)، وحليفة الولايات المتحدة الأطلسية؛ شيء رائع أن نجد العالم يتضامن مع القضية العربية، ويندد بإسرائيل ويطالب برفع الحصار عن غزة، ويرسل المساعدات، ويجازف بأبنائه، كل هذا رائع! لكن على أن تكون المبادرة في أيد عربية لا سيما فلسطينية: ففلسطين ليست تركية ولا إيرانية ولا أميركية، ولا برازيلية… ولا فرنسية. فلسطين فلسطينية وعربية أولاً وأخيراً. ولكن يمكن (ويجب) أن يكون كل إنسان في العالم فلسطينياً عندما يؤكد قضيتها، وليس أن يكون كل فلسطيني أي شيء لكي لا يكون فلسطينياً.. أن يكون مثلاً إيرانياً بفعل علاقاته مع إيران. أو تركياً بفعل الموقف التركي أو أميركياً بفعل علاقته بها… أو على علاقة بهذا النظام العربي أو ذاك فيتنازل عن قضيته له.. ويسلمه أوراقه ومصيره.

أوليس هذا ما حصل في غزة والضفة وقبل ذلك في لبنان، عندما توزعت القوى الفلسطينية الى شرذمات، يرتبط بعضها بهذا النظام العربي، أو الأعجمي، أو الأبعد! لكن إذا كان القرار العربي ليس طالعاً من إرادة الشعب العربي أصلاً، فيعني أن قرار بعض الأنظمة ليس طالعاً منها، ولهذا كيف يمكن أن يكون القرار الفلسطيني فلسطينياً عربياً… إذا كانت الأيدي كلها فارغة… ليتحول الصراع من صراع عربي إسرائيلي، ومن صراع فلسطيني إسرائيلي، الى صراع عربي عربي، وفلسطيني فلسطيني وصل الى حد تقسيم التقسيم في غزة والضفة.. إذ كيف يمكن أن نطالب العالم بأن يتوحد مع القضية الفلسطينية، إذا كان أهلوها منقسمين عليها.. كل ذلك أدى الى انهيار لا مثيل له في الواقع العربي، وإلى انحطاط رهيب على مستوى القيم الوطنية، والانتمائية، والديموقراطية، والمدنية. وإلى قبول كل ما يفرض عليهم (برؤوس مرفوعة في الاستعراضات وفي المناسبات الوطنية!).

إنها لحظة الالتباس الكبرى نعيشها (وسبق أن عشنا مثيلاتها بإباء وكرامة وشرف، براو!) ويعيشها هذا الشعب المستنزف في همومه اليومية، وفي يأسه، وفي صبره (الى متى). هذا الالتباس بالذات، هو الذي ولد ويولد مشاعر التعلق بأي صوت مختلف، استثنائي يُظن أنه يمثل شيئاً من أحلامهم. وهذا بالذات ما جعلهم يرون في أردوغان ما يذكرهم بصلاح الدين الأيوبي أو عبدالناصر. ويرون في تركيا "قلب" العروبة النابض، وفي إيران "ذراع التحرير"، مقابل طغيانية العدو الإسرئيلي. فالناس اليوم تعيش "زمناً" حياً (أهو عابر كسواه، ربما) وحراكاً "عاطفياً" غامراً لأنهم وجدوا في الموقف التركي ما افتقدوه عند قياداتهم من جرأة، وقوة، وإصرار، لأنهم تعودوا وكثيراً أن يلتحقوا بكل صوت مرتفع لنصرة قضاياهم، أو استرجاع شيء من الإحساس بوجودهم وإن جاء من أهل الباب العالي، ومن السلطنة العثمانية وإذا كانوا أصيبوا في الماضي بكثير من الخيبة (هزيمة 1967)، أو بسقوط صدام حسين (كصوت مواجهة وإن غباء مع "إسرائيل" أو الولايات المتحدة الأميركية)، نخشى أن تتكرر هذه الخيبة، اليوم، وغداً، وبعد غد إذا استمر العرب (الأنظمة المنتصرة بلا توقف: من وين بدنا نلحقلهن انتصارات!) في تسليم أوراقهم وأحلامهم وآمالاهم وقراراتهم الى الغير، سواء الى الولايات المتحدة، أم الى إيران، أم الى تركيا. فكل هذه الدول لها "أجندتها" ومصالحها، وهي لا بد من أن توظف كل مواقفها لتصب عندها: فتركيا عندها مشكلة الدخول الى الأحضان الأوروبية وقضية الأكراد (حركوها في موازاة الموقف التركي من إسرائيل)، وعندها، وهذا هو الأهم، استراتيجية الدخول الى العمق العربي كمعادل ربما لإيران؛ فدورها "العربي" قد يكون مطلباً غربياً، يُعوض الى حد كبير عن غياب الفاعلية العربية في أمور الصراع العربي الإسرائيلي، والمواقع الإيرانية المتقدمة في غزة، والعراق، ولبنان وسواها. وهذا من شأنه (إذا حصل) أن يوزع الأوراق من جديد الى أيد غير عربية، تكون فيه النزعة العروبية بوشائجها وعمقها وانتماءاتها سائبة.

 وهنا نستذكر مواقف هذه المرجعيات والدول من العرب والعروبة نفسها، والمشاعر التاريخية السلبية التي تكنها لها. ولا تكفي المشاعر الدينية لكي تبنى عليها استراتيجيات التضحية من أجل الغير. فالغيرية المطلقة ليست من قواميس السياسية، ولا من مفرداتها، وربما من "شعاراتها" الظرفية أو ذرائعها المتحولة. نقول هذا لأننا نتبع مقولة "أن المؤمن لا يلدغ من الجحر مرتين"، ونحن العرب، وخصوصاً اللبنانيين، لُدغنا مرات وعشرات. فالأخ غودو الذي انتظرناه "منقذاً" اكتشفناه إما مارقاً أو مخادعاً، أو عدواً أو مجرماً. وكم من غودو "عربي" وأجنبي، حمّلناه ما حمّلناه من آمالنا، لنجد أنه قدّم إلينا السمّ في العسل! وعندما نتكلم في هذه المناسبة عن تخوفات فلأننا بتنا كالغزالي نعتمد "الشك" للوصول الى عدمه… (الى الإيمان). وفي هذا الإطار، لا بد من إكبار الدور التركي الجديد، أو السحنة التركية الجديدة بالعباءة العربية، أو الكوفية الفلسطينية… وبالنبرة القوية ضد إسرائيل.

وكأننا هنا ننتظر من تركيا أن تحقق لنا ما لم تحققه أنظمتنا ومنظماتنا من "انتصارات" مقبلة، وأحلام زاهية. وقوة رادعة. وكلنا، من واهمين وغير واهمين، ومن مطمئنين وغير مطمئنين، نشعر، برغم كل شيء، أن عندنا ظهيراً صلباً (كما يبدو حتى الآن) هو تركيا، كما شعر بعضنا من لبنانيين (وما زالوا) وعرب أن عندهم ظهيراً من إيران. لكن قد تكون المقارنة قاسية، أو سهلة، لكن في الحالين، لا بد من الحذر من أن يرافق الاستغلال (كما حدث في السابق) كل هذه المواقف المؤيدة، ليتطور الى تحفير مواقع داخل التناقضات العربية، عن طريق التدخل في الشؤون الخاصة والعامة… واسترهان الإرادات بما فيها الشعبية والدينية والثقافية، والسياسية والأمنية. إذ يكفينا ما تعرضنا له من استلابات ومن مصادرات لمصائرنا، سواء من أهل القُربى أو أهل "البُعدى" ومن غدر واستغلال، ووصايات. بمعنى آخر، من الصعب الركون الى "التدفقات" الشعورية العاطفية الأولى، بالمواقف المؤيدة لفلسطين والمنددة بإسرائيل، وتجاوز الخلفيات أو "السرائر" أو الأغراض. (فالسياسة ليست مجانية كالشعر!).

 إنها تعطي باليمين وتأخذ باليسار. ولها جيوب سرية عدة، تحفظ في أوراقها و"عطاياها"… ومردوداتها. وهذا الأمر ينطبق على الجميع. بل على كثير من الذين رفعوا شعارات ضد إسرائيل، وزايدوا على الناس بها، لكن في الوقت ذاته، كانوا يسعون عبر هذه المواقف الطنانة، الى اختراق الإرادات وإلى السطو على القرارات، وإلى تهميش أصحاب الحق التاريخيين، ليتقدموا كبدائل من الاصل، بدائل تحركها شهوات "الاستعمار" أو السيطرة… أو على الأقل، استخدام هذه الأوراق، للمقايضة بها على قضايانا. ففلسطين (أو لبنان، أو العراق…) أكبر من أن تكون ثمناً لا لدخول الجنة الاوروبية، أو للانتصار في المسألة النووية… وهي أكبر من أن تكون رهينة مزدوجة عند من يحتلها، ومن يهتف بتحريرها من العرب وغير العرب. بل هي أكبر من كل هذه الأنظمة التي حوّلتها الى صفقة… رخيصة في سوق النخاسة.

هل يدل كل ذلك على عدم اطمئنان "داخلي" أو سياسي؟ ربما! لأن سؤال فلسطين اليوم، الى تشعباته، وإلى جنون العدو الإسرائيلي ووحشيته ومطامعه، هو سؤال لبنان، أيضاً. ويحق لنا، في عزّ هذه النشوة، وهذا الانتصار المحقق على إسرائيل بعد عدوانها على "أسطول الحرية"، وعزلتها، وارتباكها، وخوفها من تحقيق دولي ومن عقوبات، يحق لنا أن نسأل: أين لبنان من كل هذا؟ ترى أسيكون عندنا، هنا، المكان الذي ستدفع أثمان الهزائم والانتصارات، من حروب وعواصف وكوارث قد تهددنا… حتى في الوقت القريب؟ وهل ستجد إسرائيل لبنان تعويضاً عن الخسائر التي تكبدتها (بلا أسف ولا ندامة ولا اعتذار يا للوحشية ويا للجنون!)، ليكون هدفاً لعدوان جديد، بذرائع أو من دون ذرائع؟ كل هذه التساؤلات مشروعة لشعب خَبِر وجرّب وعانى الأمرّين والويلات من سرعة تصديقه في ما يقال، أو انجرافه بما يحدث، أو انجذابه لمواقف، أسفرت في ما بعد عن خلفيات أخرى.

المهم، في كل ذلك، أن "تركيا الفتاة"، وهي جميلة اليوم، بتجملها العالي، عوّضت (وإن موقتاً)، عن غياب العرب، وغيبوبتهم، وحساباتهم السلطوية، إزاء القضية المصيرية. والمهم أن الجماهير العربية، قدّرت هذه المواقف المشرّفة، التي واجهت إسرائيل العدوانية المتوحشة، وطالبت (بأقوى من بيانات مجلس الأمن ووزراء الخارجية العرب(؟) وبعض القيادات الصاغرة) بأقسى وأقصى العقوبات ضد هذا الكيان، ورفعت صوتها الى حد "التهديد" الجدي، وليس من مثل تلك التهديدات الزجلية التي احترفها آخر مطربي السياسات الخارجية، والتي، بدلاً من تخفيف إسرائيل… تشحنها بالقوة، خصوصاً أمام الرأي الغربي، ليتعاطف معها بدلاً من أن يندد بها.

وهل لنا أخيراً أن نأمل أن يفيق العرب، من أحزاب، وأنظمة، وناس، على شروطهم ومواقعهم ودورهم… العربي أولاً وأخيراً، بدلاً من أن ينتحلوا كل يوم صفة العروبة، والقومية، والنضال والمواجهة، ليغطوا تراجعهم! أترى شبه الغياب العربي الفاعل عن القضية الفلسطينية، وطغيان الأدوار الأخرى، أيكون هزة ضمير… وعودة الى الذات، وإلى هؤلاء الناس الذين لا بد أنهم ينتظرون أن يتحقق شيء من أحلامهم العربية، ومن آمالهم العربية، ومن إرادتهم العربية!