//Put this in the section //Vbout Automation

من السلاح إلى التعيينات إلى الموازنة: فتح تدريجي لملفات مرحلة السنيورة – نقولا ناصيف- الأخبار

لم يُتح بعد لقوى 8 آذار الخوض في مراجعة مرحلة الحكومة الأولى للرئيس فؤاد السنيورة (2005 ــ 2008)، من باب إدانتها، بعدما انتهت أحداث 7 أيار 2008 إلى طيّ صفحتها نهائياً، عبر نشوء توازن قوى جديد أتاح لسوريا استعادة أوسع نفوذ ممكن في لبنان آنذاك، وجعل من سلاح حزب الله قاعدة رئيسية للاستقرار السياسي والأمني على السواء. ثم أتت انتخابات الصيف الماضي ـــــ وقد انقلبت على نفسها ـــــ كي تثبّت بدورها توازن القوى المنبثق من أحداث 7 أيار وتتجاهل الغالبية المنبثقة من انتخابات 7 حزيران، وضعت حكومة الرئيس سعد الحريري خطاً فاصلاً بين المرحلة السابقة، وتلك الجديدة التي تنتظر طرفي النزاع الشريكين في حكومة الوحدة الوطنية. بذلك تأخرت مراجعة السنوات الماضية، بيد أنها لم تخرج من حسابات المرحلة الجديدة، وخصوصاً بإزاء الملاحظات الآتية:

1 ـ عوَّض الجدل المفتوح على أرقام موازنة عام 2010 وحساب قطع السنوات الأربع المنصرمة، وما أثاره رئيس المجلس نبيه برّي عن إنفاق 11 مليار دولار من خارج القاعدة الإثني عشرية، ما كان قد طُرِح إبان الحكومة الثانية للسنيورة عامي 2008 و2009، ثم طرح مجدّداً في مطلع عهد الحكومة الحالية وطُوي مرة أخرى، وهو الكمّ الكبير من المراسيم والقرارات التي اتخذتها حكومة السنيورة وفق نصاب غالبية فريقها الواحد الذي مثلته قوى 14 آذار بعد استقالة الوزراء الشيعة الخمسة. صُرف النظر عن تلك المراسيم والقرارات على وفرة ما قيل عن عدم دستوريتها، وقد وُضعت موضع التطبيق، وبعضها رتب حقوقاً مكتسبة كجزء لا يتجزأ من التسوية التي رافقت تأليف حكومة الحريري.




من المراسيم والقرارات إلى التعيينات إلى أرقام الموازنة: لائحة على طريق تصفية حساب مؤجل

2 ـ استمرار التعيينات الإدارية، ولا سيما منها الأمنية، معلّقة على توصّل طرفي الحكومة إلى توافق عام عليها، الأمر الذي لا يزال متعذّراً، وقد حمل الحريري في زيارته الثانية لدمشق في 18 أيار على مفاتحة الرئيس السوري بشّار الأسد، على هامش إطلاعه على ما يعتزم الإفصاح عنه لدى زيارته واشنطن، بطلب مساعدته على تذليل بعض العقبات التي تحوط بالتعيينات الإدارية. فاتحه أيضاً بعراقيل مماثلة تواجهها حكومته من داخل صفوفها عبر تحفّظ وزراء 8 آذار عن مشروع قانون موازنة 2010. لم يقدّم الرئيس السوري جواباً شافياً، ونصح الحريري بمعالجة الموقف من داخل الحكومة. تكمن المشكلة المطبقة على التعيينات الإدارية، بما فيها الأمنية، في أن أفرقاء 8 آذار يعتقدون في قرارة أنفسهم أن النتائج السياسية لأحداث 7 أيار 2008 لم يُستكمل تنفيذها تماماً، وخصوصاً في بعض التعيينات الأمنية والقضائية التي انبثقت من الحكومة الأولى للسنيورة، وأحاط برجالها مذ ذاك تحفّظ عن أدوارهم الكثيرة التأثر بالسلطة السياسية القائمة، والانحياز إلى خيارات دون أخرى، لم تكتفِ ـــــ تبعاً لهذا المنطق ـــــ بالإضرار بالفريق الآخر، وإنما أيضاً بسوريا. وفضّل أفرقاء 8 آذار، على مضض، إبقاء القديم على قدمه في انتظار تسوية متكافئة بينهم وبين قوى 14 آذار.

3 ـ انحسار السجال حول سلاح حزب الله، ما خلا بعض الأفرقاء المسيحيين في قوى 14 آذار الذين يتمسّكون بوضعه في صدارة خلافهم مع الفريق الآخر من جهة، وتوجيه سهام غير مباشرة إلى سوريا بسبب تعذّر انتقادهم المباشر لها مراعاةً للعلاقات الجديدة التي نسجها الحريري مع الرئيس السوري من جهة أخرى. كان الحديث عن سلاح حزب الله، قبل حرب تموز 2006 وبعدها، في صلب السياسة التي اتبعها أركان قوى 14 آذار عندما كانوا يقبضون على السلطة كاملة، وسلموا بعد سيطرة حزب الله بقوة السلاح على بيروت بالانتقال به إلى طاولة الحوار الوطني، انسجاماً مع ما نصّ عليه اتفاق الدوحة، سعياً إلى تحقيق تفاهم وطني عام عليه. بيد أن مرحلة ما بعد تأليف حكومة الحريري، بدءاً بمناداة الأخير غداة انتخابات الصيف الماضي بسحب موضوع السلاح من التداول، مروراً بعودة رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط إلى الخيار السوري، وصولاً إلى المعادلة التي فرضتها دمشق على كل راغب في المصالحة معها والانفتاح عليها (وقد احترمها الحريري وجنبلاط على السواء)، وهي إقران هذا الانفتاح بالاعتراف بشرعية سلاح المقاومة وحمايته والتعامل معه على أنه جزء لا يتجزأ من العلاقات المميّزة اللبنانية ـــــ السورية… كل ذلك أخرج سلاح حزب الله من المهمة التي حدّدها له اتفاق الدوحة، وأضحى شأناً لبنانياً محضاً يتخطى الأهداف التي رسمها له ذلك الاتفاق، وبات أي تحفّظ عن هذا السلاح محاولة تتوخى زعزعة الاستقرار الداخلي. عزّزت هذا التوجّه سلسلة مواقف أدلى بها رئيس الجمهورية ميشال سليمان والحريري وجنبلاط، وكذلك قائد الجيش العماد جان قهوجي، أضفت على سلاح حزب الله أوسع تأييد سياسي. والواقع أن الخوض في الاستراتيجيا الدفاعية لحماية لبنان، لا في سلاح حزب الله، يمثّل الحصيلة السياسية الأهم التي أفضت إليها أحداث 7 أيار.

وسواء بدا فتح ملفات المرحلة السابقة متعمّداً أو عابراً أو حتى مجتزأً، إلا أنه أبرَزَ اهتماماً بتوجيه الانتقاد إلى السنيورة بالذات، مع أن الرئيس السابق للحكومة، على أهمية الدور الذي اضطلع به بحكم موقعه الدستوري، كان جزءاً لا يتجزأ من فريق سياسي تفرّد بالحكم وأدار بمجموعه تلك المرحلة. على الأقل بالنسبة إلى اثنين آخرين حملا ـــــ إلى السنيورة ـــــ وزر المرحلة تلك برمتها هما الحريري وجنبلاط. بل طبع الزعيم الدرزي بتشدّده حينذاك معظم الخيارات الصعبة والمجازفة لقوى 14 آذار، وأخصّها الذريعة التي وفّرها لاندلاع أحداث 7 أيار.

رغم ذلك، تبدو الاتهامات والإشارات العلنية موجّهة إلى السنيورة، أكثر منه إلى شريكيه الآخرين اللذين انتقلا ـــــ كل لدوافع مختلفة ـــــ إلى الخيار السوري بعدما انقلبا تماماً على موقعيهما السابقين. وحده الرئيس السابق للحكومة ظلّ يحتفظ، وهو على رأس تيّار المستقبل، بالكثير ممّا كان قد وَسَم نفسه به إبّان ترؤسه حكومته الأولى: لا يزال ينأى بنفسه عن أي انفتاح على سوريا، ويحجم عن إطلاق علامات إيجابية تفتح باب المصالحة معها، متمسّكاً بصيغة أنكرها باكراً خلفه في رئاسة الحكومة فور تبوّئه المنصب وهي العلاقات الندّية بين لبنان وسوريا. يتصرّف السنيورة على رأس تيّار المستقبل كما لو أنه لا يزال على رأس حكومته الأولى وعلى رأس قوى 14 آذار. لم ينضم إلى الحريري وجنبلاط في الموقف من سلاح المقاومة، آخذاً باستمرار بتحذيره من استخدام هذا السلاح في الداخل سواء بتجنبّه الكلام على المقاومة، أو بتعمّده الكلام على سلاح 7 أيار الذي مثّل التهديد الأكثر خطورة للشارع السنّي وزعامته، الأمر الذي يتفادى الحريري وجنبلاط الخوض فيه.

في ذكرى 14 شباط الماضي، أضفى السنيورة على صورته خارج الحكم ملامح الدور الذي كان قد أعدّه لنفسه: أفصح عن هواجس السنّة في لبنان حيال دورهم الجديد في مرحلة ما بعد مصالحة الحريري مع الرئيس السوري، وهو بذلك اضطلع بدور مواز ـــــ والبعض يظنّ أنه مكمّل ـــــ لدور الحريري على رأس حكومة الوحدة الوطنية. إذ بينما يسلك خلفه على أنه رئيس حكومة كل لبنان، ولكنه يذهب بكل الشارع السنّي الذي يتزعّمه إلى سوريا عندما يتصالح مع رئيسها ونظامها، يبيّن السلف دوره في المحافظة على السنّة مرفوعي الرأس، لم تخذلهم تسوية المصالحة تلك، ولا أضعف موقعهم جنبلاط، وهم يتصرّفون على أن تيّارهم لا يزال القائد الفعلي لقوى 14 آذار. برّر لهم السنيورة مخاوفهم من حزب الله ومن تكرار تجربة تعطيل الحكم على نحو ما خَبِره على امتداد أربع سنوات، ساعياً أولاً وأخيراً إلى شدّ عصبية تيّار المستقبل والشارع السنّي إلى التيّار، أصرّ كذلك بلا تردّد على أن اتفاق الدوحة الانتقالي الذي قيّد جزئياً صلاحيات رئيس مجلس الوزراء وأخضعها للتسوية مع الفيتو الشيعي القوي ليس بديلاً من اتفاق الطائف التأسيسي الذي أعاد الاعتبار إلى موقع الطائفة في الحكم.

في أي من هذه المواقف لا يُحرج السنيورة الحريري، وهو يعبّر عن خطاب سياسي آخر موجّه إلى الطائفة يحتاج إليه رئيس الحكومة من غير أن يجهر به. وهكذا يكمّل أحدهما الآخر من غير أن يتحدّثا بالطريقة نفسها.