//Put this in the section //Vbout Automation

فولكلور المماحكات لن يأتي بالنفط – عبد الوهاب بدرخان – النهار

مرة أخرى، نجحنا في تحويل قضية لنا الى قضية في ما بيننا. لا بد أن هناك من أصبحوا مصابين باللوثة، يرون أو يريدون حرباً في كل شيء وفي لا شيء، يديمون الجلوس على براميل البارود جاهزين لإشعالها وتفجيرها.

وهكذا بدأت حرب النفط اللبناني قبل أن تقع. بدأت داخلياً كما لو أنها إرهاص لما يفترض أن يكون خارجياً. في بعض العواصم لم يُفهم تماماً هذا اللغط اللبناني، وفي بعض آخر لم يهتموا. أعرف سفارة لبنانية واحدة على الأقل تلقت استفسارات عاجلة: ما الذي يحصل عندكم؟ ما قصة النفط والغاز هذه؟ ولماذا الخلاف عليها في الداخل؟ صحافيون أجانب من بلدان مختلفة اتصلوا للاستعلام، ومحامون ورجال أعمال وشركات كذلك. بماذا يمكن أن يرد على تساؤلاتهم؟




الصورة من الخارج أظهرت الطاقم السياسي وكأنه منقسم بين من يريدون هذين النفط والغاز الموجودين في جوف البحر، وبين من يبدون متهمين بأنهم في صدد التفريط بهما! وإلا فلماذا الخلاف؟ الواقع أن حكومة التوافق وبرلمانه برهنا مجدداً أن الأساس في عملهما هو الخلاف، أما التوافق فليس سوى ديكور وهمي.

لا شك أن المعلومات التي تفجّرت فجأة إعلامياً لدى الجانب الإسرائيلي كشفت الى أي مدى يبدو لبنان مسبوقاً، بل مستغفلاً. واذا كان الإسرائيليون والقبارصة دخلوا في خلاف على الحدود البحرية وترسيمها على خلفية الإكتشاف النفطي، فيما لا يملك لبنان سوى معلومات أولية عن الملف، فهذا يعني أنه في مشكلة، ومن حق هذا وذاك أن ينتفض ويغضب لأن تقصيراً ربما حصل. لكن المشكلة لا تتعلق هنا بوزارة أو وزارتين، وقد تبيّن أن وزارة الطاقة لديها متابعة جيدة للموضوع، وإنما المشكلة تكمن في دولة لا تعمل مؤسساتها جيداً، لان التوافق الكاذب والموتور يغلّب صراع الديكة على عمل مؤسسي مستقر وفاعل.

هل أضافت قصة النفط عنصراً جديداً الى الصراع مع إسرائيل؟ طبعاً، لكن هذا الصراع ينبغي أن يخاض بعيداً عن فولكلور السياسة اللبنانية وبمعزل عن أساليبها. هذه فرصة للتضامن والتلاحم ضد إسرائيل، وليست جولة للمماحكات والمزايدات بين الرئاسات وما تحتها. وللعلم، فهذه ليست مشروع حرب يريد كل واحد أن يكون – أو يظهر كأنه – جنرالها. تستطيع إسرائيل أن تطلق التهديدات، ومن شأن لبنان أن يتوعدها بأن هناك ثروة له حق فيها ولن يمكّنها من سرقتها. وهو بكل تأكيد يستطيع ذلك.

كيف؟ هناك ملامح تحرّك داخلي يركّز على التشريعات ولا بدّ من أن يتبلور من دون تأخير. والمهم أن يتولاه القانونيون المختصون بعيداً عن مهاترات أهل السياسة. لكن غير المفهوم حتى الآن هو هذا الإصرار على التنافس بين المجلس والحكومة، وطالما أن الحكومة لديها معطيات فلماذا لا تُراد الاستفادة منها؟ وإذا كانت لدى المجلس رؤية معينة تخدم السعي اللبناني فالأحرى أن يؤخذ بها. أما اصطناع التنافس لمجرّد "التمريك" فلن يكون سوى مبالغة في "كثرة الغلبة" من دون جدوى، وهو فعل فعله إذ أظهر اللبنانيين وكأن النفط وصل إليهم فعلاً فاختفلوا على تقسيم مداخيله بين الزواريب والدساكر.

 وعلى رغم أن وزيراً أوروبياً، ممن يعرفون لبنان جيداً، تهكّم على الجدل الدائر في بيروت، إلا أنه قال لمحادثيه: لا، المسألة جدية، فهذا ليس جدل سياسة داخلية فقط، إنه سباق بزنسي، وسيبقى بزنسياً تتلاعب به مصالح السياسيين وأصدقائهم إلا إذا تولّت الحكومة إدارة العمل، ولديها الكثير مما يمكن أن تستفيده من التجربة المتقدمة في دول الخليج.

أما العمل الأكبر والأكثر فمطلوب خصوصاً مع الخارج. والأولوية هنا لاستقطاب اهتمام الأمم المتحدة، سواء لترسيم الحدود البحرية أو للمشورة القانونية، ويمكن التفكير منذ الآن باستشارة محكمة العدل الدولية، لأن تداخل الحدود يعني أيضاً تداخل المكامن المفترضة للنفط والغاز، وبالتالي فإن الترتيبات والتسويات المقوننة دولياً في مثل هذه الحالات قد لا تناسب لبنان بسبب حال الحرب بينه وبين إسرائيل، ما يفترض عندئذ البحث عن صيغ جديدة ومبتكرة، خصوصاً أن إسرائيل دخلت فعلاً في إعداد الأطر القانونية لتغطية عمليات التنقيب.

صحيح أن هناك سجلاً طويلاً من سوابق السرقة والنهب الإسرائيلية، إلا أن هذه السرقة بالذات يصعب أن تمر، لكن يفترض أن يقوم لبنان بكل الإجراءات اللازمة لحماية حقوقه، ولم يفته الوقت بعد، إنما يجب أن يتحرك بسرعة.

على رغم أن الأوضاع في المنطقة تدفع الى الإشتباه بأن النفط والغاز قد يكونان وقود حرب مقبلة، إلا أن الإستغلال الأمثل لمشاريع كهذه قد يبدو على العكس حافزاً على الإستقرار، وإسرائيل تعرف ذلك جيداً. صحيح أنها ستحشد شركات دولية، خصوصاً أميركية، لتدعمها في المعارك القانونية والسياسية التي ستنشب حول المشروع، إلا أنها لن تستطيع التعويل عليها إذا كان هناك إشكال قانوني واضح يمكن أن يتفجر أمنياً في أي لحظة.

النفط والغاز، بطبيعتهما، سلطتان استراتيجيتان في أي مكان في العالم. وفي الشرق الأوسط تصبحان خطيرتين استراتيجياً باعتبار الصراع القائم الذي لا تزال تسويته تتعثر. والاحتمال الأخطر أن تفتعل إسرائيل حرباً، أو تستغل أي حرب محتملة على خلفية الأزمة النووية الإيرانية، لفرض الترتيبات التي تناسبها لاستيطان البحر بعد استيطان البر، بمثابة غنيمة حرب يمكن أن تعاملها الولايات المتحدة بـ"تفهّم" وتغض النظر عنها.