//Put this in the section //Vbout Automation

المحبـــــة والشـــــوق – المطران جورج خضر – النهار

ليس مِن تقابُل بين المحبة والحب كما زعم كبير بين شعرائنا. هما واحد في اللغة. ولكن اذا تتبعتُ الكتاب المقدس وأدب الآباء ألحظ أنّ التقابل هو بين المحبة الإلهية أو التي يسكبها الله والشوق أو العشق الفائض من قلب بشر الى قلب بشر والذي عبّر عنه قدماء اليونان، ومن تبنّى استعمالهم في الأدب المسيحي بلفظة Eros. هذه الكلمة ليست محصورة بمدلول جسدانيّ ولكن لها دائمًا مدلول تأثّريّ أو انفعاليّ. هي شعور تلقائيّ على صورة الينبوع. وعلى أنها تنبثق من أعماق النفس إنما تُقال ايضا -ولو قليلاً- عن الله. واذا قيلت انه هو أحيانًا مصدرها الا أنّ الشعور الصادر عن الله (خارجاً طبعاً عن الانفعالية) يسمّى المحبة.

الى هذا المحبة النازلة الى القلب البشري بفضل من الله وكرمه أي بحركة نعمة كما نقول في المسيحية تنسكب أيضاً في قلب آخر أو في حركة من هذا القلب. الإنسان، اذ ذاك، محب كما الله محب.

على صعيد البشر، العهد القديم وحده يتكلّم عن العاطفة القائمة بين رجل وامرأة بدءًا من كلام الله الى حواء بعد السقوط اذ يقول: "والى رجلكِ يكون اشتياقكِ" (تكوين 3: 16) وفي الترجمة السبعينية (الترجمة اليونانية للعهد القديم) لفظة اشتياق تحمل معنى الرغبة والشهوة.

أما العهد الجديد فلا يحتوي على كلمة واحدة تعني الاشتياق أو حتى كلمة حب بمعناها البسيط. لا يتحدث عن علاقة عاطفية بين رجل أو امرأة. يتكلّم على الزواج فقط الذي قد يرتكز على العاطفة قليلاً أو كثيراً وقد لا يرتكز. الزواج مرتبط بالله بطريقة أو بأخرى ولو انعقد على أساس عائليّ أو اجتماعيّ. ليس صحيحاً تالياً أنّ المسيحية تتطلب الحب بمعناه المألوف عند الإنسان العصريّ او في رومنسيته. ليس في العهد الجديد ما يشبه نشيد الأناشيد أو ما يشبه قول هوشع في مطلع كتابه عن التملّق والملاطفة.

• • •

هذا الإعراض عن الحديث في الحب في العهد الجديد سببه – فيما أعتقد – أن الإنجيل ما جاء ليصف الطبيعة اذ تُعاش ولا يحتاج المؤمن الى أن يعلّمه الله عن أمور قائمة في تكوينه الجسدي والنفسي. هذا ما يسمّيه بولس الإنسان الطبيعي أي القائم على صعيد الخَلْق، ثم يصير انساناً روحانياً أي مستمِدًا نفسه من الروح القدس ولو لم يفقد صفاته الطبيعية. تصير ذات اتجاه إلهيّ. الرسول لم يتنكّر للرغبات البشرية الحميدة كالجنس الممارَس حسب الشريعة ليبقى الإنسان غير مدمّر ويستطيع الارتفاع الروحي. المؤمن يتعاطى الجسد المرتبط بالنفس السائرين معًا نحو الروح القدس.

هذا الإنسان المتجدّد بالروح الإلهي يستلم من الله المحبة التي تفوق الأشواق بمعنى أنها تُشرف على الشوق وتُهذّبه وتنقّيه. بدء البدايات أن الله محبة وإذا جئت منها تكون نازلاً من عند الله. وتحيا لاهوته في إطار طبيعة لك هي مدعوة دائما الى أن تبصر القوى الإلهية التي تُقدّسك. وبالقداسة انت في الأرض تتحرّر من نير الأرض وليس من صعود جغرافيّ الى السماء.
هذا يقودني الى ما يقوله الرسول في رسالته الى أهل أفسس متحدّثا عن الزواج اذ يقول: «أيها الرجال أَحبّوا نساءكم كما أَحبّ المسيح الكنيسة» (5: 25). فعل أحبّ، يُحبّ، هو لفظًا، كما في اليونانية «أغابو». وهذا يعني أَحبّوا نساءكم بالمحبة التي ترثونها من الله. هذا لا علاقة له بالعاطفة الطبيعيّة ولا العلاقات الزوجية. بولس لا يدعو المسيحيّين الى تأجّج عاطفيّ اذ يَعلم أنّ هذا لا يحتاج الى وصيّة منه. أنت تبذل نفسك عن زوجتك كما جاد يسوع بنفسه عن الكنيسة أي حتى الموت وهذا ينزل عليك من فوق.

بولس ينقلك حتى تصبح انسانًا روحانيًا في الزواج بحيث تبقى في العلاقة الطبيعية ولكن ترفعها بالمحبة (لا بالأشواق) الى أن تصير مع الناس كما انت مع الله اذ تصبح معطاءً كالمسيح. تصبح مع زوجتك كيانًا واحدًا (جسداً واحداً حسب تعبيره). هذه الوحدة يستحيل على الأشواق وحدها ان تُتمّمها لأنها تهبط وتصعد. فيها برودة وسخونة وفتور، والمبتغى أن تصبح في حدود طبيعتك انسانًا روحانيًا. ويتابع الرسول قوله: «هذا السر عظيمٌ ولكني أنا أقول من نَحْوِ المسيح والكنيسة» (5: 32).

ليس المراد عند بولس أنّ الزواج سرّ من أسرار الكنيسة. ما يريده أنّ حياتك الزوجية كلّها تصبح سرًا إلهيًّا إن عشتها على غرار العلاقة بين المسيح والكنيسة أي حتى منتهى العطاء.
العطاء هو الكلمة المفتاح. في الحضارة الإغريقية الحبّ استيلاء، سلطان على الآخر. هذا أفلاطون. في المسيح الحبّ بين الرجل والمرأة قربان تضمحلّ معه قوة السؤال عمّن هو الرأس في العائلة. صاحب السلطان في العائلة أو في أيّة إدارة هو من أَحَبّ ليس من أَمَر. الآمر عنده شوق السلطة حتى الشغف بها. المحب يطاع بلا أمر يأمر به. المحب يموت فيحيا هو والمحبوب.

الأشواق تذهب الى حيث تشاء، فإذا استطعت أن تقودها بنور المحبة الإنجيليّة تُنقذها، وإذا لم تستطع تُدمّرك. الاشتياق لا يتبنّى الآخر. المحبة تبنّانا الله بها وهي تتبنّى الناس جميعًا لأنها مبذولة من أجل من أوصى بها أَعني الله. انها تغمر كل وجود، كلّ وضع بشريّ وتجعله مقرًا لله. إذ ذاك، يزول الفارق بين السماء والأرض.