//Put this in the section //Vbout Automation

الأقدام… والرؤوس ! – راجح الخوري – النهار

مرة أخرى المونديال. المهرجان العالمي للشغف والحماسة والحناجر والصراخ والفرح والدموع والإثارة والدويّ.
إذاً لتذهب الرؤوس الى مقاعد المتفرجين، فهذا دور الأقدام والكرات يأتي مرة كل أربعة أعوام. ستكون جوهانسبورغ عاصمة كونية. أما الكرة التي اختيرت لكأس العالم رقم 19 وتسمى "جابولاني" (عاشت الأسماء)، فإنها نجمة هذا الكوكب لمدة شهر كامل من 11 حزيران الى 11 تموز.
ولا حاجة هنا الى الحديث عن الأرقام الخيالية التي ترافق هذا الحدث الهائل سواء في ما يتعلق بالمليارات في الميزانيات الإعلانية أو في ما يتعلق بالمليارات من البشر الذين سيتسمرون أمام أجهزة التلفزة، أو بالمليارات من الحناجر الصارخة والقلوب الخافقة، ولكأنها هي الكرة تتقاذفها الأقدام الذهبية على العشب الأخضر.

❒ ❒ ❒
لا حاجة الى كل هذا، لكن كم يبدو العالم المحكوم بالمؤامرات والخديعة والرياء والغدر والخيانة وارتكاب الجرائم، وبالدسيسة والنفاق والاحتيال والوساخة، في حاجة الى هذا النمط من التنافس الشريف والبطولي يتم تحت أنظار المليارات من البشر وفي شفافية قصوى؟!
وكم يبدو هذا العالم الذي يئن من الموت والقتل والنزف والألم في حاجة الى الفرح والركون والفروسية واللياقة والمنافسة الشريفة. ومن فلسطين الى العراق الى باكستان وافغانستان والصومال واليمن، والى أمكنة كثيرة نازفة ومشتعلة في هذا العالم المثقل بالمجرمين والضحايا، بالأبرياء وبالقتلة، وبالجلادين والقتلى وبالذئاب والنعاج، فعلاً كم يبدو هذا العالم في حاجة الى ان يكون ملعباً اخضر لتنافس شريف وشفاف، يعيد الاعتبار القيمي الى الشعور الإنساني والخصائص البشرية، بدلاً من أن يكون كما هو عليه ساحة مصطبغة بالألم والدم وبالحديد والنار!
ربما لأن البشرية متعطشة الى هذا النوع من التنافس الشريف الذي سنتابع وقائعه من جنوب افريقيا، فإن الأقدام البارعة والذهبية هي التي تتولى الآن زمام الاهتمام العالمي لمدة شهر كامل.




❒ ❒ ❒
إذاً لتتنـــحّ الرؤوس جانباً، سواء كانت رؤوس الشر والمؤامرات والحروب والكراهيات او حتى رؤوس الضحايا والمساكين، الآن دور آنستنا الكرة المدعوة "جابولاني"، التي لم يسبق في تاريخ الإنسانية أن تركزت أنظار البشر على شيء كما تتركز عليها، ولم تصرخ الحناجر لأمبراطورية أو لأمبراطور أو لزعامة أو زعيم كما تصرخ لها لمدة شهر كامل!
وإذا كان من عادة الرؤوس أن تحكم الأقدام وتأمرها، فهذا شهر المونديال الرائع الذي تحكم الأقدام الرؤوس خلاله، ولكن من دون شرور أو أذى، بل في إطار من المنافسة الشريفة والمشوّقة، تدور فصولها على دقات الساعات والقلوب وتحت أضواء كاشفة.
ثمة أيضاً ما يجب أن نتذكره على هامش المونديال، حيث الأرقام بالمليارات والملايين، انهم الأطفال الذين يعملون في صناعة الكرات. ويقول مكتب العمل الدولي إن أعمارهم تراوح بين 5 و15 سنة، ولا يتجاوز دخل الواحد منهم 15 دولاراً في الشهر، تتشقق أيديهم وهم يشدون الخيوط في سيالكوت بباكستان وفي بعض دول الفقر في آسيا وافريقيا.
يعملون لمصلحة الشركات العملاقة، وبالتأكيد لن يتسنى للكثيرين منهم أن يشاهدوا وقائع المونديال لأنهم لا يملكون أجهزة تلفزة، وخصوصاً الآن بعدما صارت "الآنسة" "جابولاني" تخرج من المصانع لا من بين أصابع الأطفال.
إنه المونديال. الكرات والقلوب في قبضة الأقدام. المنافسة شريفة تحت الضوء وعلى العشب الأخضر، بينما تبقى أجزاء من العالم في قبضة الشرور والعدوان والوحشية، حيث يتم الذبح في الظلمة، وتتقاذف السياسات المتوحشة رؤوس الضحايا مثل الكرات!