//Put this in the section //Vbout Automation

التكامل بين التفرّق العربي والعجز الدولي – محمد السمّاك – المستقبل

في عام 1916 وجه ت.أ لورانس برقية سرية الى جهاز المخابرات البريطانية قال فيها:

"إن ثورة الحسين في الحجاز ستكون مفيدة لبريطانيا لأنها تتمشى مع أهدافنا الحالية، وهي تحطيم الكتلة الاسلامية والتغلب على الامبراطورية العثمانية وتمزيقها. أما الدول التي ستقام لتخلف الأتراك فستكون غير ضارة بنا، كما كانت تركيا قبل أن تصبح آلة في يد الألمان، بل ان العرب هم أقل استقراراً من الأتراك، فإذا أحسنت معالجتهم ظلوا في حالة تفرق سياسي، ولايات صغيرة متحاسدة عاجزة عن الاتحاد".

وكأن لورانس شعر منذ ذلك الوقت بما يمكن وصفه "بقابلية العرب على التفرّق"، وربما يكون "مؤتمر السقيفة" في المدينة المنورة الذي عُقد بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بدايتها الأولى.

ومن أجل الوصول الى هذا الهدف كان لا بد من ضرب القوات التركية في العالم العربي. ولقد وجد رئيس الحكومة البريطانية في ذلك الوقت ونستون تشرشل، كما جاء في احدى الوثائق التي نشرت عن تلك الفترة:

"إن القوات التركية تعتمد على خط سكة الحديد في العمليات التي تقوم بها ضد القوات البريطانية في مصر. وإن هذا الخط الحديدي الضيق الذي يمتد مئات الأميال وسط الصحراء، إذا قطع بصورة نهائية، فإن القوات التركية سوف يقضى عليها".

من خلال برقية لورانس وموقف تشرشل يبدو واضحاً التكامل بين الهدف والوسيلة. الهدف هو زرع حالة التفرق بين العرب، والوسيلة هي إزالة وسائل الاتصال والتواصل بينهم. فخط سكة الحديد لا يزال معطلاً منذ ذلك الوقت حتى اليوم.

عندما صدر ميثاق الأمم المتحدة حرّم استخدام القوة أو التهديد باستخدامها في ميدان العلاقات الدولية. وَرَدَ هذا التحريم في مواد عدة من الميثاق سيما في الفقرة الأولى من المادة الأولى. إلا ان الميثاق أجاز استخدام القوة أو التهديد بها في حالتين أساسيتين:

الحالة الأولى: الأمن الجماعي وما يتطلبه من إجراءات عسكرية (كما ورد في المادتين 41 و 42 من الميثاق)، وخاصة اذا فشل مجلس الامن الدولي في التصدي لعملية خرق للأمن الدولي. وتحت هذا العنوان كان اجتياح العراق وأفغانستان على سبيل المثال لا الحصر.

الحالة الثانية: الدفاع الشرعي عن النفس ( كما ورد في المادة 51 من الميثاق). وحق الدفاع عن النفس يمكن أن تقوم به الدولة المعتدى عليها منفردة أو بالتعاون مع مجموعة من الدول تحت مظلة مجلس الأمن الدولي. وتحت هذا العنوان لا أملك أمثلة يمكن اعتمادها.

لم يحدد ميثاق الأمم المتحدة مفهومه للأعمال التي يعتبر أنها تهدد السلم الدولي، إلا ان الجمعية العامة وافقت، في عام 1949، على القرار 375 الذي يتضمن إعلاناً بحقوق الدول وواجباتها. تنص المادة التاسعة من هذا الإعلان على أن من واجب كل دولة الامتناع عن اللجوء الى الحرب أو التهديد بالقوة في سياستها القومية. كما ان من واجب كل دولة الامتناع عن خرق حرمة أراضي اي دولة أخرى أو تهديد سلامتها أو انتهاك استقلالها أو القيام بأي عمل يتنافى مع القانون والنظام الدوليين، وحظرت المادة العاشرة من الإعلان تقديم المساعدة لأي دولة لا تحترم مضمون هذه المادة التاسعة.

مع الأسف لم تُحترم هذه المواثيق الدولية حتى في حدّها الادنى. فعلى سبيل المثال لا الحصر، قدمت الولايات المتحدة المساعدة لبريطانيا أثناء حربها ضد الارجنتين 1970 في الصراع حول السيادة على جزر الفوكلاند. وقدمت بريطانيا المساعدة للولايات المتحدة أثناء قصفها ليبيا 1986. ولقد وجدنا كيف ان الولايات المتحدة حرضت اسرائيل ودعمت حروبها على مصر وسورية والأردن في 1967 و1973، وعلى لبنان في 1982 و2006، وعلى غزة في 2008، وكيف انها أي الولايات المتحدة – فبركت المبررات لغزو العراق، من الإدعاء بامتلاكه أسلحة دمار شامل الى تلفيق قصة استيراد اليورانيوم من النيجر وحتى نسج علاقات تعاون وهمية له مع تنظيم القاعدة تبريراً لاجتياحه في عام 2003، من دون أن تراعي للقانون الدولي ولميثاق الأمم المتحدة أي حرمة. بل أن قرار الاجتياح اتخذ بالالتفاف على مجلس الامن الدولي وحتى رغماً عنه.

كذلك، فإنه على الرغم من خرق اسرائيل للقانون الدولي بالتهديد بالعدوان وبالاعتداء العسكري المباشر (على لبنان)، وباحتلال كل فلسطين وجزء من جنوب لبنان وكل مرتفعات الجولان السورية، فإن المساعدات العسكرية والاقتصادية تتدفق عليها من دول عدة ، وخاصة من الولايات المتحدة، وكان آخرها تمويل المظلة الفولاذية لحماية اسرائيل من الصواريخ التي تنتجها حركة حماس في ورش الحدادين في قطاع غزة!!.

يحدد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، رقم 3314 (عام 1974)، تعريفاً للعدوان، وبموجب هذا القرار يعدّ عدواناً :

استخدام القوة المسلحة ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لدولة اخرى.

اجتياح إقليم تابع لدولة أخرى وضمّه، أو احتلاله.

قصف القوات المسلحة التابعة لدولة ما، إقليم دولة أخرى.

قيام القوات المسلحة لدولة ما بغزو دولة أخرى.

وكما هو واضح، فإن هذه التحديدات الاربعة للعدوان تشكل أسس وقواعد وثوابت السياسة الاسرائيلية. وبالمقابل فإن مجلس الأمن عجز أو عُجِّز عن القيام بأي عمل يحترم ميثاق الامم المتحدة وحتى القرارات الصادرة عن المجلس بالذات.

لقد أجازت الأمم المتحدة للدولة المعتدى عليها تحت شعار حق الدفاع عن النفس استعمال القوة لرد العمل العدواني الذي تعتبره المنظمة الدولية جريمة بحق السلام الدولي.
واستعمال القوة مجاز كذلك للشعوب المغلوبة على أمرها، والتي تناضل من أجل تقرير مصيرها والحصول على استقلالها وممارسة حريتها، كما ورد في المادة السابعة من الإعلان.
ولكن عندما يحدث ذلك، كما جرى في لبنان وفلسطين مثلاً، فإن أقصى ما يذهب اليه مجلس الأمن هو "دعوة الاطراف -المعتدي والمعتدي عليه- الى ضبط النفس".

وفي ذكرى إنشاء المحكمة الجنائية الدولية (معاهدة روما أيار- مايو 1998) قال الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون: لقد ولى العهد الماضي، عهد الإفلات من العقاب وبدأنا نشهد بزوغ فجر جديد يحط رحاله شيئاً فشيئاً وبخطى ثابتة، وهو عهد المساءلة. وبدأت إرهاصات هذا العهد بالمحكمتين الخاصتين اللتين أنشئتا في رواندا ويوغسلافيا السابقة. واليوم أصبحت المحكمة الجنائية الدولية تشكل حجر الأساس في نظامٍ للعدالة العالمية تنمو دعائمه، ويشمل المحاكم الدولية، والمحاكم الدولية الوطنية المختلطة واجراءات المقاضاة المحلية… ان التحدي الذي يواجهنا هو أن نسعى الى تحقيق السلم والعدالة معاً، سواء بسواء، والمحكمة الجنائية الدولية تقوم بدور رئيسي في هذا المسعى".

لا شك في ان هذا مؤشر إيجابي وبناء. ولكن رغم ان عدد الدول التي وقّعت على معاهدة روما وأبرمتها بلغ حتى الآن 111 دولة، (هناك 37 دولة وقّعت ولم تبرم بعد) فإن الولايات المتحدة واسرائيل لم توقعا ولم تبرما. فكيف يمكن إخضاعهما للمساءلة والمحاسبة، وهما في أساس الظلم الذي نعاني منه؟!.

لقد صدر عن مجلس الأمن الدولي حتى الآن 223 قراراً ضد اسرائيل. ولكن كل هذه القرارات لم تغيّر من السياسة العدوانية الاسرائيلية شيئاً، نظراً للآلية المتحكمة في عمل المجلس والتي تجعل تنفيذ قراراته خاضعاً لمصالح الدول صاحبة حق النقض، وليس للإلتزام بمبدأ العدالة والسلام.

اليوم تنتشر قوات تابعة للأمم المتحدة في أكثر من 17 دولة. ويزيد عدد هذه القوات على المئة ألف بميزانية تتجاوز الثلاثة مليارات ونصف المليار دولار سنوياً. وقد فرض الحاجة الى هذه القوات نشوب سلسلة من الحروب الأهلية والاقليمية زاد عددها على 85 حرباً كان العالم الثالث مسرحاً لمعظمها. غير ان مهمة هذه القوات ليست تحقيق السلام إنما المحافظة عليه. وهذا يعني ان هذه القوات تتولى السهر على مراقبة تنفيذ اتفاقيات السلام.. أو بعبارة أصحّ، اتفاقيات التسوية.

ونظراّ لتفشيل اسرائيل المتعمد والمتكرر كل محاولات التسوية مع الفلسطينيين، فإن الامم المتحدة لا تستطيع أن ترسل قوات دولية للمحافظة على ما هو غير موجود أساساً، الأمر الذي يشجع اسرائيل على الإمعان في انتهاكاتها الموصوفه لميثاق الامم المتحدة ولقرارات مجلس الامن الدولي بالذات.

لا شك في ان النصوص الدولية المثبتة في المواثيق وفي القوانين والقرارات الدولية شيء، والسلوك الدولي شيء آخر، كما أثبتت المواقف العديدة لمجلس الأمن الدولي. فالنصوص تعبّر بالفعل عن النزعة الأخلاقية لدى الانسان المتحضّر، وعن تطلعه الى أن يكون خليفة الله في عمارة الكون والمحافظة على الكرامة الانسانية وعلى الحياة البشرية. غير ان بعض السلوك لا يزال يعكس من وقت لآخر، الغريزة الحيوانية التي ربما يكون قد اكتسبها الانسان في رحلته الطويلة منذ خروجه من الكهوف وصراعه مع الآخر، من أجل البقاء.

ولعل عالِم الاجتماع فريدريك هاكر يلخّص ذلك بقوله: "افضل لنا أن نرهب الآخرين من أن يرهبنا الأخرون".

أليس هذا هو المبدأ الذي يشكل اليوم العمود الفقري للسلوك الاسرائيلي مع العالم العربي؟.