//Put this in the section //Vbout Automation

صواريخ سكود التي لم تنفجر – محمد السمّاك – المستقبل

هل وصلت "صواريخ سكود" فعلاً من سوريا الى حزب الله في لبنان؟..
لم ينف حزب الله الرواية الاسرائيلية ولم يؤكدها، الأمر الذي زاد من حالة القلق والإرباك.

فالولايات المتحدة عرفت بالأمر من اسرائيل وليس من مصادرها الخاصة. ولكن رغم الاهتمام الذي أبدته الإدارة الأميركية بالرواية الاسرائيلية، ورغم التحذيرات التي أطلقتها مهددة متوعدة، إلا أنها أحجمت عن اتخاذ أي موقف. فلديها من التجربة ما يحملها على عدم التسرع في رد الفعل تجنباً لما هو أسوأ.

يروي روبرت غيتس وزير الدفاع السابق في كتاب له تحت عنون "في الظل" قصة مثيرة للغاية كان شاهداً عليها عندما كان رئيساً لجهاز المخابرات المركزية الاميركية "سي.آي.إيه". يقول غيتس في كتابه:

"كان زبيغنيو بريجنسكي مستشار الرئيس جيمي كارتر لشؤون الأمن القومي نائماً عندما رن جرس الهاتف في غرفة نومه في الساعة الثالثة صباحاً. كان المتحدث مساعده العسكري بيل اودوم. قال له اودوم: لقد اطلق الاتحاد السوفياتي 2200 صاروخ على الولايات المتحدة، وان هذه الصواريخ هي في طريقها الآن الينا".. وعلى الفور استنفر بريجنسكي قيادة القوات الجوية الستراتيجية وطلب منها الاستعداد للرد الفوري. وفيما كان يتصل بالرئيس كارتر ليوقظه، اتصل به مساعده العسكري مرة ثانية ليبلغه ان الانذار الذي تلقاه بشأن الصواريخ السوفياتية كان انذاراً خاطئاً، وان سبب ذلك يعود الى ان شريطاً مخصصاً للتدريب العسكري وُضع خطأ في جهاز الكومبيوتر (الحاسوب) الخاص بالعمليات الستراتيجية. يقول بريجنسكي انه لم يوقظ زوجته في تلك الليلة اعتقاداً منه انه لا فائدة اصلاً من إيقاظها لأنه كان يعتقد انه بعد ثلاثين دقيقة لن يبقى احد على قيد الحياة!!.

وأنثاء الحرب العربية – الاسرائيلية في شهر رمضان تشرين الاول 1973 التقطت الاقمار الاصطناعية الاميركية صوراً لصناديق مرسلة جواً من الاتحاد السوفياتي الى مصر. اوحت الصور بأن الشحنات عبارة عن صواريخ متوسطة المدى محملة برؤوس نووية صغيرة. يومها اعلن الرئيس الاميركي ريتشارد نيكسون استنفار القوات الستراتيجية الاميركية، ووجه التعليمات الى سلاح الصواريخ العابرة للقارات، كما أمر الطائرات القاذفة التي تحمل رؤوساً نووية، وكذلك الغواصات النووية في المحيطين الأطلسي والباسيفيكي لتكون على أهبة الاستعداد. وفي الوقت نفسه حذرت الولايات المتحدة الاتحاد السوفياتي من انه اذا لم يبادر الى استرجاع الاسلحة النووية التي ارسلها الى مصر على الفور فان واشنطن سوف ترد بتوجيه ضربة نووية. حتى ان اسرائيل التي هُزمت على جبهتي السويس المصرية والجولان السورية استعدت للمرة الأولى منذ انشائها الى اللجوء الى سلاحها النووي بقرار من رئيسة حكومتها في ذلك الوقت غولدا مائير.

الا انه ورداً على الانذار الأميركي، فُتحت الصناديق المموهة امام عدسات التصوير التي كانت توجهها الاقمار الاصطناعية الاميركية. فاذا بمحتوياتها عبارة عن مواسير ضخمة تستعمل لجرّ المياه!!.. كان ذلك الحادث من المرات النادرة في التاريخ الحديث حيث وجد العالم نفسه على شفير حرب نووية بسبب معلومات خاطئة. وقد اثار الحادث بعد انكشافه ردّ فعل اوروبي حاد، ذلك ان الولايات المتحدة لم تستشر حلفائها الأوروبيين، ولم تنسّق معهم قبل ان تعمل على تعبئة قواتها الستراتيجية بما فيها تلك الموجودة في اوروبة ذاتها. ولو ان السوفيات تصرفوا في ذلك الوقت بشكل مختلف لوقعت حرب نووية بسبب معلومات خاطئة.. ولدفعت أوروبا في الدرجة الأولى ثمنها باهظاً جداً.

طبعاً ليست الولايات المتحدة وحدها التي ترتكب مثل هذه الاخطاء الفادحة. لقد ارتكب الاتحاد السوفياتي خطأ كان كافياً للقضاء عليه. فعندما طرح الرئيس الاميركي رونالد ريغان مشروع "حرب النجوم" اعتقد الكرملين ان لدى الولايات المتحدة من التقدم العلمي ومن الامكانات المالية ما يمكنها من تنفيذ المشروع الذي يقول بإقامة شبكة فضائية مرتبطة الكترونياً بغرفة العمليات العسكرية الاميركية مهمتها توجيه ضربات مدمرة لمرابض الصواريخ والمصانع والمواقع الاستراتيجية في الاتحاد السوفياتي. كما انه كان يعتقد انه بامكان هذه الشبكة قصف كل طائرة او قطار او اي هدف آخر متحرك. ورغم ان المشروع كان نظرياً فقط، الا ان الولايات المتحدة نجحت في تسويقه إعلامياً وسياسياً ودبلوماسياً وعلمياً بشكل مثير، ما اوحى للسوفيات وكأن التنفيذ قد بدأ بالفعل.

كان الرئيس السوفياتي ميخائيل غورباتشوف يعتقد ان بلاده عاجزة تقنياً ومادياً – وخاصة مادياً -عن مجاراة الولايات المتحدة في مشروع حرب النجوم. فتملّكه خوف شديد أملى عليه المواقف والمبادرات التراجعية، الامر الذي مكّن الرئيس ريغان من الاستقواء عليه ومن ثم استيعابه، حتى ان غورباتشوف اتُهم بانه عميل لجهاز المخابرات الاميركية. غير ان روبرت غيتس يقول في كتابه "في الظل": "ان من حسن حظ الولايات المتحدة ان غورباتشوف لم يكن عميلاً لنا. ذلك اننا لم نكن قادرين بأي شكل على توجيهه لتدمير الاتحاد السوفياتي على النحو الرائع الذي قام به".

ويذكر روبرت غيتس مدير وكالة المخابرات المركزية السابق ان العلاقات بين أركان ادارة الرئيس ريغان ساءت الى درجة ان الخلافات بين وزير الخارجية جورج شولتز، ووزير الدفاع كاسبار واينبرغر، وغيتس نفسه، وصلت الى مستوى من الحدة بحيث ان الثلاثة امتنعوا ليس فقط عن التعاون، بل حتى عن الاجتماع والتحادث. وكان كل منهم يقدم النصيحة للرئيس الاميركي منفرداً وبمعزل عن زميليه الآخرين ما ادى الى ارتكاب الاخطاء المميتة والى السقوط في العثرات الفادحة. ولولا ان انعم الله على الولايات المتحدة برئيس سوفياتي من نوع غورباتشوف لأدى التدهور الداخلي المريع في الادارة الاميركية الى ما لا تحمد عقباه.

وبالعودة الى رواية صواريخ سكود، فان السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا تراجعت بل لماذا توقفت- حملة التخويف الاميركية من تهريبها من سوريا الى حزب الله في لبنان؟.. هل اكتشف الأميركيون أو هل تبين لهم عدم صحة الرواية الاسرائيلية؟ وهل ان الخطأ كان مقصوداً أم انه كان نتيجة لقراءة خاطئة؟ وماذا كان يمكن أن يحدث لو انهم صدقوا تلك الرواية وتصرفوا على أساسها؟ وماذا سيحدث الآن بعد ان اكتشفوا ان الرواية الاسرائيلية هي رواية كاذبة؟.