//Put this in the section //Vbout Automation

العقوبات على إيران وتأثيراتها الاقتصادية – مروان اسكندر – النهار

قرار مجلس الامن بفرض عقوبات على ايران جاء أقل تشدداً مما أوحى به الاميركيون قبل صدوره، ولولا تخفيف مفاعيله نظريا لما صدر من دون فيتو، إما من روسيا وإما من الصين، خصوصا ان اسرائيل، الدولة المحرضة على اتخاذ هذا القرار في المقام الاول، هي اليوم في موقع المتهم بالعدائية والقرصنة البحرية، وهناك دول قليلة العدد لا تزال تعضدها على مسرح السياسة الدولية.

تتمثل العقوبات الاقتصادية في المقام الاول في توصية بالامتناع عن التعامل مع 20 مصرفاً ايرانياً مفترضة مساهمتها في تمويل شراء معدات التجهيز النووي، أو انها تابعة للحرس الثوري الايراني أو الحكومة الايرانية. ومعلوم ان العلاقات المصرفية الايرانية اصبحت موثقة عبر اتفاقات بين رجال اعمال ايرانيين ومؤسسات مالية ومصرفية في الخليج، هذا عدا اختراقات قائمة ومستمرة في بلدان شرق آسيا أو مع مصارف صينية وأخرى روسية، علما بان أكبر مصرف في العالم اليوم صيني.




أما حجب السلاح الثقيل عن ايران، سواء الصواريخ أو المدافع أو الدبابات او طائرات الهليكوبتر والطائرات والسفن الحربية، فتأثيره محدود لان ايران تصنع اكثر هذه الاسلحة، وقد شاهدنا مدمرة من صنع ايراني تشارك في المناورات البحرية التي جرت قبل شهر في مياه الخليج.

والامر اللافت للنظر ان الصواريخ المضادة للطائرات المهاجمة على ارتفاع مخفوض أو متوسط، مثل الصواريخ الروسية من نوع "أس 300"، قد استثنيت من الحظر، وفي هذا التنازل دليل على محاولة ارضاء روسيا التي كان في وسعها ممارسة حق الفيتو لولا حصولها على تنازلات من أهمها عدم اقرار اجراءات تضيِّق على حياة المواطنين العاديين في ايران.  وزيادة في تأكيد طبيعة هذا التنازل، نشير الى تصريح وزارة الخارجية الروسية بأن القرار المتخذ يترك باب المفاوضات مشرعاً انطلاقا من التوافق الذي حققته البرازيل وتركيا مع ايران والذي يفسح في مجال مبادلة الاورانيوم المنخفض التخصيب من ايران بالاورانيوم المرتفع التخصيب المطلوب لتشغيل مفاعل الابحاث الطبية في طهران.

اضافة الى المفعول البسيط لشروط تصدير الاسلحة الى ايران والمعدات الضرورية لتصنيع قنابل نووية، نجد ان القرار لم يتطرق الى موضوع المستوردات من مشتقات النفط والغاز، اذ من المعلوم ان ايران، ثانية اغنى الدول باحتياط الغاز وربما اغنى دولة باحتياط النفط في العالم، تعاني عجزا في توفير المشتقات النفطية، وذلك بسبب تأخر عمليات تطوير مرافق التكرير وحفر الابار لزيادة انتاج الغاز. وتستورد ايران كميات ملحوظة من الغاز الطبيعي من تركمانستان، كما تستورد 40 في المئة من حاجاتها من المشتقات النفطية من الاسواق العالمية والخليجية. هذا الوضع المتمثل في استيراد المشتقات النفطية على نطاق واسع يعود الى سياسة الحكومة بدعم أسعار هذه المشتقات والغاز سواء للاستعمال المنزلي أو لتأمين المحروقات لوسائل النقل.

ان روسيا والصين متعاقدتان على تطوير ثروة الغاز والنفط الايرانيين، والالتزامات المالية للشركات الروسية التي تركز انتباهها على انتاج الغاز في المياه الاقليمية الايرانية في هذا الصدد توازي 4 – 6 مليارات دولار، والتزامات الشركات الصينية التي تعهدت تطوير حقول للغاز على اليابسة وصيانة حقول انتاج النفط وتكريرها وانجاز عدد من مرافق التكرير توازي 23 – 24  ملياراً.

يبدو بوضوح ان لروسيا والصين مصلحة أكيدة في منع تكبيل ايران عن تطوير ثروتها من النفط والغاز، ولن يتقيد هذان البلدان بشروط حظر سابقة على مستوى الاستثمارات في ايران في مجال النفط والغاز، وبمنع ايران من الحصول على المعدات اللازمة لتطوير ثرواتها الطبيعية.

كما تشاطر تركيا كلاً من روسيا والصين في الرغبة في تطوير موارد النفط والغاز في ايران. ويذكر ان تركيا كانت ولا تزال معبراً لصادرات النفط من ايران. وبسبب مواقف تركيا من قضية فلسطين وممارسات اسرائيل في غزة، فانها ابتعدت عن التوجهات الغربية في الشرق الاوسط، وهي ترى ان لها مصلحة في التعاون مع روسيا في مجالات الغاز ومع ايران على صعد اقتصادية مختلفة ومتنوعة، وتاليا ثمة صعوبة جغرافية وإستراتيجية في عزل ايران. والحقيقة هي ان ايران والعراق، بمواردهما النفطية والغازية، يعتبران بمثابة خزان الامان لإمدادات النفط والغاز حتى سنة 2050.  وهناك مصلحة دولية في رعاية برامج تطوير ثروات ايران، كما ان سوق هذا البلد، في حال ازدهاره، يشكل مع سوق تركيا مجالا رحبا للنمو في منطقة الشرق الاوسط ويساهم في تحويل 150 مليون مواطن في البلدين الى مستوى مواطني البلدان الصناعية المتطورة خلال العقد المقبل.  

اما بعد، فيطرح السؤال:  لماذا التشدد حيال ايران والحيلولة بكل الوسائل دون تمتعها بقدرات عسكرية نووية في حين ان اسرائيل تملك عشرات القنابل النووية؟ ومن يقرأ مذكرات هنري كيسينجر يدرك ان اسرائيل عندما انهزمت أمام الهجوم المصري عام 1973 وتراجعت عن الضفة الشرقية لقناة السويس، بحثت في امكان استعمال السلاح النووي، وما حال دون ذلك هو مسارعة الولايات المتحدة الى مدها بانواع الاسلحة والمعلومات الاستراتيجية. وقد خالفت الادارة الاميركية في حينه (تشرين الاول 1973) مستوجبات الحفاظ على مخازن اسلحة استراتيجية في أوروبا الغربية، فكرست جهوداً جبارة لنقل الدبابات بالطائرات الى اسرائيل وتعويضها خسارتها من الطائرات والمعدات البحرية بحيث انقلب ميزان الصراع لمصلحة اسرائيل، ومن بعد انجزت اتفاقات فك الارتباط، واستعادت مصر سيناء بعد مفاوضات مضنية.

ان ايران، التي يصورها الغرب بعبعاً، حظيت من فرنسا وألمانيا على التزامات لانجاز مفاعلات نووية سلمية قبل 1975. كما ان مفاعل بو شهر، الذي ستشغله روسيا في وقت قريب تمهيداً لبدء مفاوضات مجدية ايرانية مع دول مجلس الامن والمانيا، كانت شركة "سيمنز" الالمانية قد انجزت، والى حد كبير، العمل عليه أصلاً.

وحين اشتدت الحرب العراقية – الايرانية عام 1982، كانت الولايات المتحدة واسرائيل تزودان ايران، بقيادة الامام الخميني، الاسلحة والمعلومات الضرورية عن مواقع القوات العراقية بواسطة الاقمار الاصطناعية. والكل يتذكر الصورة التي اتضحت في استجوابات مجلس النواب الاميركي للملازم اوليفر نورث الذي تولى تلك العملية التي سميت "ايران غايت".

ان السوابق تفيد عن امكان البحث في التعاون مع ايران، والمصلحة العالمية في تشذيب الاتفاق الايراني – التركي – البرازيلي من أجل ازالة شبح حرب في الخليج تطيح كل التطورات بعد الازمة المالية العالمية التي تسببت بها الولايات المتحدة مع بريطانيا وسويسرا.