//Put this in the section //Vbout Automation

الفلسطينيون… ومانيفستو الحريري ! – راجح الخوري – النهار

كان من الضروري لا بل من الملحّ سحب موضوع حقوق الفلسطينيين في لبنان من سوق المزايدات والمقارعات، الى إطار العلاج الهادئ والعاقل والمسؤول، الذي طالما احتاجت إليه هذه المسألة الحساسة والدقيقة، وخصوصاً بعد عام 1975 وما شهدناه من الاقتتال العبثي، الذي كاد أن يضيّع لبنان ولم يسترجع فلسطين الضائعة.

وهكذا بدا الرئيس سعد الحريري أمس وكأنه يرفع هذا الملف الحساس من سوق المقارعة السياسية الى مستوى مسؤولية الدولة، التي يفترض أن تكون صاحبة الكلمة الجامعة للبنانيين حيال حقوق اللاجئين الفلسطينيين، بحيث لا تبقى هذه الحقوق مجرد بوق ينفخ فيه من يريد الإطلالة من على سطوح القومية، أو مجرد استحضار للكوابيس والمحاذير عند الذين يخافون التوطين والذين لم ينسوا بعد ما حصل في الماضي القريب.




عملياً يشكل اللقاء الذي رعاه رئيس الحكومة أمس في السرايا وكان بعنوان: "العلاقات اللبنانية – الفلسطينية، إنجازات، رؤية ومستقبل"، استعادة أمينة لخطط الرئيس الشهيد رفيق الحريري، الذي طالما سعى الى معالجة ملف الوجود الفلسطيني في لبنان على قاعدة تؤمّن الحقوق المدنية للفلسطينيين في انتظار العودة، وتسحب مفاعيل القوانين والسيادة اللبنانية فوق المخيمات، التي تحوّلت منذ زمن بعيد، جزراً أمنية عصيّة على الدولة والقانون، وهو ما أدى مثلاً الى حرب مخيم نهر البارد على ما يعرف الجميع.

لم يبالغ سعد الحريري عندما قال إن قضية اللاجئين عندنا ليست عادية، بل إنها قصة حياة وقصة نضال مع الأشقاء والأصدقاء منذ عام 1948.
فإذا دقّقنا فعلاً في الوقائع ومحطات التاريخ القريب لوجدنا أن لبنان أعطى الفلسطينيين الكثير، ربما أكثر مما أعطت أي دولة عربية أخرى وربما أكثر مما أعطت كل الدول الغربية مجتمعة.

نعم إنها قصة حياة ونضال، وإن كانت اتخذت منذ بداية السبعينيات، المنحى الذي زجّ لبنان في سلسلة من الصراعات والحروب التي تستمر تداعياتها السيكولوجية حتى الآن.

ربما لهذا أراد الحريري أمس مقاربة هذه القضية بمنطق رجل الدولة الحريص على لبنان وحرمة القانون والسيادة فيه وكذلك على حصول الأشقاء الفلسطينيين على حقوقهم المدنية، ولهذا فإنه تعمّد أن يقدّم واجب المضيف على حقوق الضيف، عندما خاطب الحضور بالقول: "المسألة المطروحة أمامنا لا أريد أن أتناولها من زاوية حقوق الفلسطينيين عندنا بل من زاوية واجب لبنان دولة ومجتمعاً تجاه أخوان حملتهم النكبة على ترك وطنهم".

وحقوق الفلسطينيين مسألة لا تقبل النقاش. فهي عملياً ليست بين اللبناني والفلسطيني، فالجميع يقفون في جانب واحد. وعلى هذا الأساس وجّه الحريري نداء الى الجميع لوقف التسابق والمزايدات حول حقوق الفلسطينيين. على الأقلّ لأنه لا بد من أن تتحمّل الدولة واجباتها الإنسانية والأخلاقية والاجتماعية حيال الفلسطينيين، ولبنان لن يتهرّب من هذه الواجبات التي يفترض أن تكون واضحة لا تقبل التأويل ولا الالتباس. وإذا كان هذا الكلام يتلاقى مع المطالبة بضرورة إعطاء الفلسطينيين حقوقهم المدنية، فإن الحريري حرص على طمأنة المتوجّسين بالقول:

"لا مكان في واجبات لبنان تجاه الفلسطينيين لأي نافذة يمكن أن تطل على التوطين أو أي إجراء آخر يناقض حق العودة وينزع عنهم هوية فلسطين".

وفي حدود الحرص على مفهوم الدولة وحرمة سيادتها وقوانينها، ذهب الحريري الى عمق الملف الفلسطيني الحسّاس ليذكّر الجميع بأن واجبات الدولة اللبنانية في هذه المسألة لا تتوقّف عند المسائل الإنسانية والحقوق المدنية للفلسطينيين، بل تشمل دورها الأساسي في تأمين سلامة المقيمين على أراضيها، كل المقيمين من دون استثناء، وبسط سيادتها على كل الأراضي خارج المخيمات وداخلها.

ولقد كان من الضروري والملحّ في هذا السياق أن يؤكد رئيس الحكومة أن بناء الدولة اللبنانية أولوية عند اللبنانيين، ولهذا من الضروري تصحيح منطلقات التعاطي لبناء الثقة بعيداً عن المزايدات. وفي هذا السياق فإن الواقع الأمني الراهن للمخيمات مأسوي ويلقي بظلّه على حدود واجبات الدولة أمنياً.

هذا كلام واضح تماماً، فليس كل الفلسطينيين في لبنان تحت القانون وعند هيبة الدولة وحرمة السيادة، كما يحرص على القول المسؤولون الفلسطينيون وآخرهم عزام الأحمد.

وإذا كان لبنان قد افتدى قضية فلسطين بسلامته واستقراره وبأرضه ودماء شعبه وتطوّره الاقتصادي والاجتماعي، فمن حقه ومن واجب رئيس حكومته أن يقول ما قاله وبكثير من الصراحة والصدق: "على الفلسطينيين أن يدركوا أهمية الاستقرار في لبنان لقضيتهم… إن أي شكل من أشكال الفوضى لن يجعلنا نتقدم شبراً واحداً في اتجاه فلسطين. فلسطين تبتعد عنا كلما أوغلنا في الفوضى وسمحنا بأن تصير المخيمات ساحات للخروج على القانون كما حصل في نهر البارد حيث كان الإعتداء على الشعبين اللبناني والفلسطيني".

يشكّل الاجتماع في السرايا أمس إحدى أفضل المقاربات الجادة والمسؤولة لمعالجة الملف الفلسطيني المزمن في لبنان، الذي تحوّل الآن حلبة للمقارعات والانقسامات، في وقت لا يحتاج لبنان ولا يتحمّل إضافة بند خلافي جديد الى جدول أعماله.

ما قاله سعد الحريري في هذه المسألة الدقيقة والحسّاسة يكاد أن يكون بمثابة "مانيفستو" واضح وصريح وعلى درجة عالية من المسؤولية الوطنية والإنسانية، فإذا كان من حق الفلسطيني أن يشعر بأنه يقيم بين أهله وأخوته، فإن من واجب كل فلسطيني حماية الاستقرار في لبنان والتزام موجبات القانون، على الأقل كما يحصل في كل الدول العربية.