//Put this in the section //Vbout Automation

عصيّ في دواليب الحكومة ؟! – راجح الخوري – النهار

عندما شُكّلت الحكومة تحت شعار الوحدة الوطنية، بدا وكأن لبنان يدخل مرحلة ضرورية من النقاهة السياسية، بحيث تتلاشى الخلافات وتختفي التناقضات ويتحول الوزراء والوزارات فريق عمل متعاونا ومتفاهما، هدفه وضع السلطة التنفيذية على سكة العمل المثابر والتعاون في ورشة ناشطة تتناسب على الاقل مع شعار رئيسها سعد الحريري، الذي كرر دائما قبل الانتخابات النيابية وبعدها، انه يريد حكومة وحدة وطنية تكون قادرة على العمل، وتستطيع الاهتمام بشؤون الناس ومطالبهم المحقة.

لا حاجة بأحد الى العودة لاستبيان بنود المشروع الاقتصادي والاجتماعي والانمائي الذي وعد الحريري به، لا بل جعله منطلقا وهدفا لعمل السلطة التنفيذية، وخصوصا بعد تلك المرحلة المؤلمة من الانقسام السياسي، وحتى من استعمال السلاح في الداخل وما ولّده من الجروح والآلام والحساسيات.




لكن النظرة المتأنية الآن والمدققة في الوقائع والملفات وحتى في المواقف، سرعان ما تُظهر اننا لا نزال نراوح على عتبة "النقاهة السياسية" وان العلل والاشتراكات التي تضرب عافية الدولة مستمرة، لا بل هناك مطابخ تسهر ليل نهار على فبركة الملفات واثارة المواضيع التي من شأنها اعاقة العمل الحكومي وتعطيل ورشة الانماء ومعالجة الوضع الاقتصادي والمعيشي، وهو ما شكّل دائما هدفا معلنا لرئيس الحكومة.
ولا يغالي المرء اذا وجد في "تفقيس" الملفات الخلافية، واثارة المسائل المطلبية بطريقة لا تريد التفاهم على المطالب المحقة بمقدار ما تسعى الى استيلاد الازمات، ما يوحي فعلا ان هناك رغبة في انهاك السلطة التنفيذية ومنعها من ان تترجم شعار: "حكومة تضم الجميع وتكون قادرة على العمل".

قادرة على العمل؟

لكن الواقع يثبت للناس ان المطلوب هو ان تتخبط في "الرمال المتحركة" للملفات المثارة، وخصوصا عندما يخلع بعض الوزراء عن انفسهم رداء التزام متطلبات السلوك والعمل بروح الفريق ووفقا لما تفرضه الوحدة الوطنية التي تم خلعها على الحكومة.

واضح تماما ان المطلوب هو ان تكون اولى حكومات سعد الحريري حكومة مكانك راوح، بمعنى منعها من تنفيذ جدول اعمالها، وبمعنى اسقاط روح الفيتو وبنسب متفاوتة على الملفات والمشاريع، وهذا ما يساوي في النتيجة استمرارا نسبيا لسياسة التعطيل، لاسباب كثيرة، منها ما يرتبط برغبة دفينة لدى البعض في افشال الحريري، ومنها ما يرتبط بالحرص على ابقاء لبنان ساحة لتصفية الحسابات الاقليمية والدولية، وفي احسن الاحوال صندوق بريد لتوجيه الرسائل المتعلقة بالتقاطعات الاقليمية والدولية.

وقياسا بما يجري، هذه الحكومة ليست حكومة سباق البدل تقوم على تعاون اعضائها، بل هي حكومة قفز الحواجز التي غالبا ما يتم رفعها الى مستوى الاستحالة!

بغض النظر عن احقية بعض المطالب التي لا ينكرها احد، وقد ابدى الحريري اهتماما عميقا بها يتجاوز – مثلا – مسألة زيادة الدرجات على رواتب المعلمين الى وضع استراتيجية منصفة تعدل كل المعلمين والموظفين، وتعطي المعلمين اربع درجات فورية. بغض النظر عن كل هذا، فان اخذ الطلاب واهاليهم رهائن، بالامتناع عن التصحيح، لم يعد موضوعا مطلبيا بمقدار ما هو مسألة تعجيز، الهدف منها العض على اصابع السلطة التنفيذية حتى الإدماء.

ثمة من يسهر على القاء قشور الموز تحت ارجل الحكومة، وثمة ما يساعد على القول ان هناك "شركاء مضاربين" داخل هذه الحكومة، يتصرفون بما يسقط اي معنى لشعار الوحدة الوطنية!

وفي حين يوسع الحريري جهوده واتصالاته وزياراته الخارجية محذرا من اي عدوان اسرائيلي يستهدف لبنان، وكذلك في حين يسهر على دعم سلسلة من المؤتمرات الاقتصادية والمالية التي تعيد الى لبنان موقعه كمفصل حيوي لقضايا الاقتصاد والتنمية وتقنيات الاتصال، على المستويين الاقليمي والدولي، في هذا الوقت يبدو ان هناك من يعمد دائما الى ابقاء قشور الموز تحت رجليه في سلسلة من المحاولات المتعمدة لإفشال حكومة الوحدة الوطنية التي يريد لها ان تعمل وتفعل.

ربما يكفي ان يقرأ المرء بيان الجيش عن حادث الانفجار في زحلة، وقد ثبت انه ناجم عن حريق متعمد، وان يتذكر ما سارع بعض "المحبين" الى الايحاء انه كان محاولة تستهدف البطريرك صفير قامت بها عناصر سنية متشددة (!) يكفي هذا كي يعرف الى اي مدى يصل عمق "المحبة" لسعد الحريري عند البعض!

هل من الضروري ان نتذكر مثلا كل ما قيل عن العراقيل والمطالبات التي زعموا أنها تعتور علاقته مع الرئيس بشار الاسد، بينما العكس صحيح، لكي ندرك ان هناك ركاما متزايدا من الملفات المفتعلة تُلقى في وجه الحكومة بهدف جعلها تراوح داخل دائرة التعقيد والتعطيل لافشالها؟
في سياق متصل ان الحديث المتواتر عن تعديل حكومي انما يأتي في سياق محطات التشويش والعرقلة، وقد شاهد اللبنانيون شريطها المسلسل في مواضيع الموازنة والمعلمين واساتذة الجامعة وطبول الاتحاد العمالي العام، وفي مسائل الكهرباء ومطاردة المليارات "الضائعة"، واخيرا في الخلاف على دبّ النفط قبل اصطياده من اعماق البحر!


احيانا تبدو الصورة كاريكاتورية تماما، فبعض الشركاء في حكومة الوحدة الوطنية اشبه باثقال تشل اقدام السلطة التنفيذية من التقدم الى الامام!