//Put this in the section //Vbout Automation

شكراً هيلين توماس – راجح الخوري – النهار

ليس مهماً ان تكون هيلين توماس، عميدة مراسلي البيت الابيض، قد ذهبت الى التقاعد بعد اعتذار وأسف على ملاحظات جريئة أدلت بها. المهم أنها توّجت حياتها المهنية الحافلة بهذه الملاحظات التي لا يجرؤ على ابدائها الكثيرون.

وليس المهم أن يقف المرء في الشرق الاوسط مثلا، ويقول "ان على الاسرائيليين ان يغادروا فلسطين وان يعودوا الى بلدانهم في بولونيا وألمانيا أو الى الولايات المتحدة"، بل المهم ان يقف المرء في واشنطن، كما وقفت وقالت هذا من على المنبر العالي الذي تمثله توماس، وبالصوت المسموع جدا الذي تملكه وهي التي عُرفت بأنها "بوذا البيت الابيض" و"ظِل الرؤساء الاميركيين"، بعدما غطت أنباء عشرة من رؤساء الولايات المتحدة في مسيرة مهنية حافلة امتدت ستة عقود.




واذا كان البيت الابيض قد سارع الى التبرؤ من الملاحظات التي أدلت بها، اذ قال المتحدث باسمه روبرت غيبس ان موقفها "مهين ويستحق الاستنكار"، في حين رأت رابطة مراسلي البيت الابيض انه "لا يمكن الدفاع عن هذا الموقف"، فإن توماس اللبنانية الاصل والمتحدرة من آل عواضة في طرابلس، عكست في كلامها ما يفكر فيه الكثيرون، ليس في "العالم" العربي وحده، بل حتى في الولايات المتحدة الاميركية وربما داخل البيت الابيض، حيث تمارس قوى الصهيونية نوعا من الحصار الفكري او بالاحرى الارهاب الفكري، الذي يمنع الاعتراض على السياسات الاسرائيلية، ويصل الى حد تزوير التاريخ بانكار وجود فلسطين التي احتلها الاسرائيليون في سياق مؤامرة كبرى مستمرة منذ أكثر من ستة عقود، وقد سممت العلاقات بين الشرق والغرب.

لم تكن ابنة التسعين عاما في حاجة الى الاعتذار. لكن إبداءها الأسف وقولها ان ملاحظاتها على ضرورة مغادرة الاسرائيليين فلسطين لا تعكس ايمانها بأن السلام في الشرق الاوسط لن يحل الا عندما يعترف الاطراف بضرورة الاحترام المتبادل والتسامح، لن يحذف قط من الاذهان دوي القنبلة التي فجرتها في نهاية مشوار طويل في المهنة التي عشقتها دائما. فقد تعمّدت ان تقول دائما أنا صحافية أولاً وامرأة ثانيا. وظلت على امتداد عملها البارع تقول ان الصحافة هي افضل مهنة في العالم، لأن عليك ان تواصل التعلم باستمرار، ولأن عليك ان تكون حارسا أمينا على الحقيقة، تطرح الاسئلة التي لا يحبها المسؤولون وتبقى مشككا الى أبعد الحدود، حتى ولو كان ذلك يزعج هؤلاء الذين يقبضون على قرارات السلم والحرب، او بالاحرى على الحياة والموت.

والملاحظات المدوية التي اختارت توماس عمدا أن تقولها لتذهب الى التقاعد، لم تأت عرضا، فقد سبق لها ان انتقدت انحياز الاعلام الاميركي وغيبوبة بعض الاعلاميين في عهد بوش الابن، وخصوصا عندما وصل الامر حد إلصاق هذا الإعلام أوصاف القتلة والارهابيين بالمقاومة الفلسطينية.

ولم تتردد في القول أمام مركز الحوار العربي في واشنطن ان بوش الابن هو أسوأ الرؤساء الاميركيين على الاطلاق، لأنه أدخل العالم في مرحلة من الحروب الابدية المستديمة، وهو ما يكرر أهوال الماضي. وفي عهده خسرت اميركا معظم أصدقائها في العالم، وشهدت زيادة العلاقات بين اليمين المسيحي وتكتل "ليكود". ولقد علّقت ضاحكة على محاولة الاسرائيليين التجسس على اميركا بالقول: "انهم موجودون هنا في كل مكان، فما حاجتهم الى التجسس؟".

على امتداد العهود كانت توماس هي التي تطرح السؤال الاول على الرئيس لانها عميدة المراسلين، وهي التي تنهي اللقاء بالقول: "شكرا السيد الرئيس". بوش الابن حرمها ذلك الامتياز، لكن هذا لم يمنعها من ابداء نقمتها على السياسة الاميركية في الشرق الاوسط: "يجب ان تتطور هذه السياسة لتكون أكثر دراية وعدالة ومعرفة بالحقائق".

في حرب تموز 2006 انتقدت توماس بشدة تأييد اميركا لاسرائيل، وهو ما دفع المتحدث باسم البيت الابيض طوني سنو الى اتهامها بتبني وجهة نظر "حزب الله"، ولكنها ردت بالقول: "انا أنقل الواقع. العدوان على لبنان رهيب، على غرار بقية الاعتداءات. علينا التوصل الى سلام في يوم ما وعلى اسرائيل العودة الى حدود 1967 اذا أرادوا السلام…".

لقد فاخرت توماس تقريبا بانتمائها العربي: "أشعر بانتماء الى لبنان. أحس بانتمائي الى ثقافتين. وعندما يتهمني البعض بأنني مؤيدة للعرب، لا أفهم ماذا يعنون فعلا. انني مؤيدة للناس ومناهضة لأي نوع من التمييز ضد الانسان".

ذهبت هيلين توماس الى التقاعد، لكنها تركت في تاريخ البيت الابيض صوتا مختلفا وشجاعا أحدث فرقا ووصل الى حد مطالبة الاسرائيليين بمغادرة فلسطين. والامر يتجاوز حدود الشجاعة في بلد يسرح في جوانبه الحاخامون!