//Put this in the section //Vbout Automation

ثقافة سياسية تغطّي فعل التعامل مع العدو؟ – ابراهيم الأمين – الأخبار

عود على بدء في ملف العملاء.

شربل قزي، التقني العامل في شركة «ألفا» الذي تقول مصادر التحقيق معه في مديرية استخبارات الجيش إنه أقرّ بتعامله مع العدو منذ 14 عاماً، ليس الأول في هذه القائمة، وهو بالتأكيد ليس الأخير. ومع الحديث عن موقعه الحساس وخدماته المرتفعة السعر لدى مشغليه، فهناك قائمة طويلة جداً ـــــ مع الأسف ـــــ لمشتبه في أنهم على علاقة بأجهزة العدو الأمنية، وهم إما تحت المراقبة والتدقيق اللصيقين، وإما أنهم كُشفوا أمنياً ولم يُعتقلوا بعد لأسباب أمنية أيضاً.




مرة جديدة، هناك مزاج إعلامي، له خلفيته السياسية وله بعده السياسي أيضاً في التعامل مع هذه الوقائع على أنها أحداث أمنية عادية، لدرجة أن بعض السياسيين الدائرين في فلك 14 آذار أو بعض الرسميين وبعض المراجع الدينية، يفضّلون عدم التركيز على الأمر.

ومن يرتح من هؤلاء في مجلسه يتشكّك في ما يقال، ويحاول أن يفسّر الأمر بأنه عمل من خلفية سياسية، مع العلم بأن هؤلاء المراجع والنافذين يدركون أنه حتى اللحظة لم يُكشف عن مشتبه في تعاملهم مع العدو من الفئة الأولى سياسياً، وأن غالبية الذين أوقفوا وأحيلوا على القضاء أو صدرت في حقهم الأحكام، ليسوا من علية القوم، وغالبيتهم لا يتمتعون بأي حصانة حقيقية. وعندما أوقف أشخاص ينتمون إلى تيارات سياسية، كان رد فعل هذه التيارات رفع الغطاء وعدم التدخل، وحتى عدم ممارسة أي نوع من الضغوط الفعلية على جوهر التحقيق. ثم إن الأجهزة التي تقوم بهذه العملية، هي التي تمثل وجهات الانقسام السياسي في البلاد.

 وهي الآن مُجمعة على علاقة جيدة بسوريا، وبدرجة أقل بالمقاومة. وفي معزل عن دور جهاز أمن المقاومة في ما يُكشف على صعيد مكافحة التجسس، فإن الجهات الأمنية الرسمية ومن ثم الأجهزة القضائية، تعود لتمسك بهذا الملف، وإن الأخطاء على مستوى الشكل أو المضمون لا تشير إلى ثغر حقيقية، لا بل إن قسماً كبيراً من هؤلاء الموقوفين بجرم التعامل لم يتعرضوا لما يتعرّض له فتى مشرد كان يقود دراجة نارية دون أوراق ثبوتية.

أكثر من ذلك، فإن أي جلسة لمجلس الوزراء منذ تأليف الحكومة الحالية، لم تدع يوماً إلى اجتماع خاص لمناقشة هذه الظاهرة، وحتى القيادات السياسية أو الوزراء المعنيون لم يتحدثوا يوماً عن دعوتهم من مرجعية رسمية في رئاستي الجمهورية والحكومة أو حتى من مجلس النواب، لمناقشة الأمر من زاوية أسباب هذه الظاهرة المخيفة من العملاء. وحتى اللحظة، ليس هناك من دليل حقيقي على جهود يبذلها أصحاب النفوذ على الرأي العام، تعكس قلقاً حقيقياً من هذه الظاهرة، وليس هناك أي عمل جدّي لخوض مواجهة مع المناخات التي تسهّل ارتكاب مواطن لفعل الخيانة.

لنتصوّر مثلاً، مجرد تصوّر لا أكثر، أن الأجهزة الأمنية أوقفت موظفاً في شركة رسمية أو خاصة، وتبيّن أنه ينقل معلومات حساسة إلى دولة مثل سوريا أو إيران، أو أنه يبيع المعلومات التي يتمكن من الوصول إليها لجهات من خارج الدولة. فكيف سيكون الأمر محلياً وإقليمياً ودولياً؟

من دون أي جهد، ستنطلق حملة إعلامية وسياسية يشارك فيها وزراء ونواب وقيادات حزبية وجوقة إعلامية، ومراجع دينيون، وسفراء وهيئات دبلوماسية، وستصدر بيانات عن وزارات الخارجية في عدد من العواصم، وقد يرسل تقرير إلى مكتب الأمين العام للأمم المتحدة، وكل ذلك تحت عنوان «المس بالسيادة». وستُشغل البلاد والعباد وشاشات التلفزة بمناقشات وتحليلات ومواقف كلها تصبّ في خانة «مواجهة الاختراقات للسيادة اللبنانية». وسيقال أيضاً إن من يريد عدم تكبير الموضوع ومن لا يتوغل أو يسهب في شرحه هو من الذين يغطّون المس بالسيادة اللبنانية، وإنه من جماعة الجهات التي تقوم بالاختراقات، إلى آخر المعزوفة التي يعرفها الجميع.

لكن هل من تفسير لهذا الصمت المدوّي؟ وهل من تفسير لهذه الرغبة العميقة في تحويل أي خبر عن اكتشاف عميل للعدو كأنه خبر عابر يجب أن تتقدمه أنباء زيارات السفيرة الأميركية وجولاتها السياحية، وأخبار القيل والقال التي يتندّر بها السياسيون عن ناخبيهم، ثم يردّدها الناخبون مع ضحكات تعكس حالة الهبل التي ترافق عملية التجديد للطبقة السياسية ذاتها؟

في الاحتفال الذي أقامه وليد جنبلاط على شرف السفير السوري في بيروت علي عبد الكريم علي، تحدث زعيم المختارة عن «أننا كنا أدوات» في المحور الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية. وليد جنبلاط من قال ذلك، ولم يرد عليه أحد من الذين رافقوه في هذه الحقبة، وهم أنفسهم أدّوا الأدوار التي يبدو أن لوائح «السير جيفري» تضم مؤسساتهم ومنابرهم ومواقعهم الإلكترونية وشركاتهم الإعلامية والإعلانية، ومع ذلك، كانت تثور ثائرة كل هؤلاء عندما كان يصدر تحليل أو موقف يشير إلى أن ما يرفعونه من شعارات وما يقومون به من خطط سياسية وإعلامية إنما هو تحقيق لمصالح أعداء لبنان، وأنهم مجرد أدوات فيه.

هذه العقلية التي تريد إهمال هذه العناصر، وتريد تسخيف فعل الخيانة والتعامل مع إسرائيل، والتي تحاول توفير حمايات طائفية ومذهبية ومناطقية لأي مشتبه فيه، هي العقلية التي تجعل مجموعة كبيرة من الموقوفين لا يجيدون تفسير سبب تورّطهم في هذه الأعمال، وهم في غالبيتهم لا يشعرون بأنهم ارتكبوا فعل الخيانة، وأنهم كانوا على ثقة بأنه في حالة انكشافهم، ستحصل مداخلات لإطلاق سراحهم: ألم تهدّد مرجعية دينية بأن توقيف اثنين من المشتبه فيهم بخطف وقتل المناضل الصيداوي محيي الدين حشيشو بعد 27 عاماً على اختفائه، سيفسّر بأنه إنعاش لذاكرة الحرب الأهلية؟ ألم يشعر المتهمان بأنهما يحظيان بحماية وغطاء يتجاوزان عمل الجهات القضائية؟

في كل ما سبق، ثمة قاعدة وحيدة، وهي أن من يسمّي إسرائيل بالدولة العادية، ولا يحرّم لفظ اسمها إلا كعدو واضح، ومن لا يعود إلى بديهيات المفردات في هذا الصراع، لا يكون راغباً في معركة مواجهة العدوان.