//Put this in the section //Vbout Automation

من يفتح «شهية» جعجع على الطموح بالوصول إلى بعبدا؟ – خضر طالب – السفير

في مدوّنة «القوات اللبنانية» على شبكة الانترنت قراءة عن زيارة رئيس الهيئة التنفيذية سمير جعجع إلى كل من مصر وفرنسا تحت عنوان «الدور المسيحي التاريخي المستعاد مع جعجع في الوصل مع الخارج». من الطبيعي أن تحوي هذه القراءة ليس وجهة نظر «القوات» فقط، بل أيضاً فلسفتها لحراك رئيسها السياسي خارج الحدود، وكذلك منحه الصفة والحجم اللذين تعتقدهما. لكن المفارقة هي في تلك التعليقات الواردة من بعض القراء، خصوصاً من قراء سعوديين، والتي وصلت بأحدهم إلى تقديم اعتذار متكرر من رئيس «القوات» وطلب السماح من الله لأنه ظلم «رجل السلام الأول»…

طبعاً لا تكفي مدونة كتبها من كتبها وبالتوقيع الذي يريده لإعطاء انطباع عن تفكير واعتقاد السعوديين، لكن ربط ذلك التعليق بمضمون الكلام المتكرر في العديد من الأوساط السعودية الرسمية، يخلص إلى استنتاج بأن هناك مزاجاً جرى تعميمه في المملكة العربية السعودية، وخاصة في إعلامها الفضائي والمكتوب حول النظرة إلى رئيس «القوات».




فالمملكة العربية السعودية، وربما لم ينافسها إلا المصريون، لم تتوقف عن تشجيع العديد من القيادات اللبنانية للانفتاح على جعجع، بالتزامن مع جهود حثيثة لفتح الأبواب الإقليمية والعربية والدولية أمامه، بينما استمرّت بتقديم مختلف «أنواع» الدعم له وبـ«وسائل» و«طرق» و«معابر» عدة «تفادياً للإحراج»، اعتقاداً منها أنه «تغيّر» و«جزء لا يتجزأ من النسيج السياسي اللبناني».

من الصعب فهم هذا الاهتمام السعودي الاستثنائي برئيس «القوات»، وتلك الوقفة الدائمة إلى جانبه، خصوصاً ذلك الدعم القوي والمتعدّد الأوجه في مختلف الاستحقاقات لمواجهة أطراف مسيحيين آخرين، وهي تدرك أن طموحات جعجع لا تتوقف عند الحفاظ على موقعه، بل يواصل سعيه الدؤوب ووفق استراتيجية محددة هدفها الانتقال من موقعه الحالي كأحد الشركاء المسيحيين إلى الطرف الأقوى في الشارع المسيحي بما يهيئ له فرصة القبض على التمثيل المسيحي خاصة في ظل قناعة قواتية راسخة بأن جعجع هو الوريث المستقبلي الأبرز للحالة العونية.

هل تقف طموحات جعجع عند هذا الحد؟

يقول عارفو جعجع من «رفاقه السابقين» إن قائد «القوات» لا تغادره، كما أي زعيم ماروني لبناني، فكرة رئاسة الجمهورية، ذلك أن جعجع كان قبل التوافق على العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية، يحاول تسويق فكرة النصف زائدا واحدا في أكثر من عاصمة عربية ودولية بدءاً من واشنطن عندما كان «الأمر لها» في أوساط الأكثرية النيابية.

من هنا، يصعب تفسير الحراك السياسي لرئيس «القوات» داخلياً وخارجياً، خارج سياق تهيئة الظروف المناسبة لتعبيد الطريق أمامه نحو قصر بعبدا، والتي لا يمكن أن تُعبّد إلا بشرعية التمثيل المسيحي الأول والأكبر، قبل أن تصبح هذه المشروعية جواز عبور إلى العواصم المعنية بالشأن اللبناني تتيح لها تسويقه كأمر واقع في سدة الرئاسة.. وإلا من خلال خلق «ظروف ميدانية قاهرة» تكون كفيلة بفرضه رئيساً، وهنا نكون أمام مشهد متكرر للعام 1982، وترجمته العملية هزيمة كاملة لحزب الله والمقاومة ولسوريا وقوى هذا الخط داخليا وإقليميا.

لقد حاول البعض أن يسبغ على جولة جعجع العربية الأوروبية، طابعاً ضيقاً بأنها في سياق فتح آفاق علاقات خارجية أمام جعجع كتعويض عن استمرار إقفال أبواب دمشق في وجهه. لكن آخرين رأوا فيها «استدعاء» لجعجع لإقناعه بالسير في ركاب التسوية القائمة في لبنان، وعدم مواجهتها كما فعل في العام 1994، على اعتبار أن القرار الإقليمي ـ الدولي ما زال ساري المفعول حول جدية التسوية في لبنان وأن أحداً لن يستطيع مواجهته.

غير أن لا هذا ولا ذاك يستطيع الإجابة على حقيقة أهداف زيارة جعجع، خصوصاً أن ما رافقها من مواقف صدرت عن جعجع في القاهرة أو في باريس، وتقاطعها «الطبيعي» مع مواقف البطريرك الماروني نصر الله صفير، قد أثار عاصفة دخانية كافية للتغطية على النقاش حول مضمون وأبعاد تلك الجولة، في انتظار صدور إشارة ما تسمح بالانطلاق منها نحو التفسير والتحليل.

وفيما وضع البعض زيارة العماد ميشال عون الأخيرة الى دمشق في خانة الرد على زيارتي صفير وجعجع إلى العاصمة الفرنسية، وعلى قاعدة أن ارتباط المسيحيين لم يعد مع «الأم الحنون» بل مع الشقيقة الأقرب التي تستطيع أن تؤمن الحماية المباشرة لهم بعد أن سقطت الرهانات على الحماية الغربية، فإن أوساط العماد عون أشارت الى أن موعد زيارة «الجنرال» كان مقررا منذ ما قبل زيارة رئيس الجمهورية الأخيرة الى دمشق، وحتى قبل صدور مواقف صفير وجعجع.

ويمكن القول إن مسار الوضع الداخلي بعد زيارتي صفير وجعجع قد بيّن تصاعد وتيرة الكباش السياسي حول العديد من الملفات الداخلية، وخاصة حول سلاح المقاومة والاستراتيجية الدفاعية. وهنا ثمة من يرى أن عودة بعض السجالات الداخلية في بعض العناوين يوحي بوجود واحد من ثلاثة احتمالات:

ـ إما وجود غيمة تتجمع فوق ساحة التلاقي السعودي ـ السوري، انطلاقاً مما يجري في العراق على مستوى الترتيبات المتعلّقة بتشكيل الحكومة والتغيير الذي طرأ على تحالفات الكتل النيابية، والتي أطاحت عملياً أي فرصة لترجمة الرغبة السعودية بتولي إياد علاوي رئاسة الحكومة، خصوصاً أن هذه الترتيبات جاءت على وقع إقرار العقوبات الجديدة على إيران في مجلس الأمن الدولي.

ـ بوادر محاولة مصرية للدخول مجدداً إلى الملف اللبناني والإمساك ببعض خيوطه تمهيداً لاستثمارها في معالجة الملف الفلسطيني من بوابة قطاع غزة، والذي أحرج مصر بعد الجريمة الاسرائيلية بالاعتداء على أسطول الحرية. فضلاً عن «الانزعاج» المصري الشديد، وربما غير مصر أيضاً، من نجاح تركيا في استمالة الرأي العام العربي، وخصوصاً في لبنان، بما يهيئ لدور مؤثر لها بغطاء سوري ودعم إيراني.

أما الاحتمال الثالث فهو مرتبط بمسار عمل المحكمة الدولية والحديث المتجدد عن احتمال صدور الجزء الأول من لائحة الاتهام التي ستصدر في الخريف المقبل، ومحاولة تهيئة «الظروف المناسبة» التي تستطيع «مواكبة» هذا الحدث وتداعياته لبنانياً، خصوصاً مع عودة الهمس عن تجدد رهانات البعض على الخريف المقبل كمحطة مفصلية تعيد قلب الواقع السياسي القائم منذ تفاهم الدوحة الذي أبرم في العام 2008، وما تلاه من تبدّل التوازنات الداخلية من خلال خروج النائب وليد جنبلاط من 14 آذار وإفقاد الأكثرية أكثريتها النيابية قبل أن ينتهي إلى نعت «اليمين المسيحي» في لبنان بالغباء.. ربما لأنه يملك معطيات حول تلك الرهانات المتجددة… وربما المستحيلة.