//Put this in the section //Vbout Automation

عندما جالت بي هيلين توماس في بعض أروقة البيت الأبيض – جهاد الزين – النهار

كانت تلك المرة الوحيدة التي ألتقي بها. كنت قد بدأت دورة تدريبية في صحيفة "الكريستيان سيانس مونيتور" قبل أشهر في بوسطن، وانتقلت الى مكتب الصحيفة في واشنطن. وكان برنامج التدريب يتضمن زيارة الى جناح الصحافيين في البيت الأبيض وقربه جناح الناطق الإعلامي باسم الرئيس الأميركي وبعض الردهات عبر الحديقة التي تفصله عن المبنى الرئاسي الرئيسي.

قبل الموعد، وكنا في أحد أيام تشرين الأول عام 1988، أبلغني المسؤول في مكتب "الكريستيان سيانس مونيتور" أن هيلين توماس، المراسلة الذائعة الصيت لوكالة "يونايتد برس انترناشيونال" هي التي ستستقبلني عند البوابة الخارجية للممر الخاص للصحافيين المعتمدين في البيت الأبيض، لأدخل معها وبواسطتها الى ذلك الجناح.




كانت قد أصبحت عميدة المراسلين في البيت الأبيض قبل سنوات، مع ما يعنيه ذلك من امتيازين: الأول مقعد دائم في الصف الأول سواء في المؤتمر الصحفي حين يحضر الرئيس شخصياً أو في المؤتمر اليومي مع الناطق الرسمي باسمه. والإمتياز الثاني الأهم هو طرح السؤال الأول في الحالتين.

في الموعد المحدد، وبعد أن قدمت اسمي وجواز سفري الى الحراس، شاهدت سيدة متقدمة في السن، مربوعة القامة الى قصيرتها، تتقدم بهدوء نحوي مبتسمة ومعرّفة بنفسها: أنا هيلين توماس. قلت لها انني محظوظ مرتين اليوم، مرة لأنني سأدخل الى هذا "البيت" وثانية لأني سأكون برفقتها.

عبرنا الحديقة في الممر الضيّق لندخل مباشرة الى قاعة تجمّع المراسلين. شرحت لي كيفية العمل هنا، جلسنا على مقعدين متجاورين، وعرّفتني الى بعض زملائها بابتسامة "تواطؤ" معي تريد أن تبثه إليهم قائلة: "إنه من لبنان"، ثم نهضنا الى الجزء من القاعة خلف صف المقاعد الأخيرة، حيث دلّتني على "مكتبها" الصغير بين حاجزين خشبيين وداخله مقعد ورفّ للكتابة والاتصال مع هاتف وتجهيزات أخرى…

 كما كان الى جانبه أماكن قليلة مشابهة لبعض الوكالات الصحفية
الأساسية بين مراسلي البيت الأبيض.

لم تكن معنية بإظهار "نفوذها" هنا، لكن، ووسط مشيتها وسلوكها الهادئين كان هذا النفوذ واضحاً، سيّما عندما دخلنا عبر ممر صغير ثم بدون استئذان الى غرفة كان يجلس فيها الناطق الرسمي مارلن فيتزووتر الذي استقبلها بلطف شديد. قالت له:

"هذا الزميل يأتي من بيروت".

– بيروت! بيروت! قالها الناطق بمزيج من التعجب والتململ! ثم سألني: كيف تجري الأمور هناك؟ فقلت له فوراً: أنت تعرف أكثر مني، ولكني أظن أنها ستميل الى التحسّن بعد الأيام الصعبة. لم يعلّق…

أتذكّر تماماً أمرين تعلمتهما من هيلين توماس خلال الساعة ونيّف التي رافقتها فيها داخل البيت الأبيض.

الأول هو أنها كرّرت أمامي كثيراً بصوت منخفض أن النفوذ الإسرائيلي قوي جداً هنا – في واشنطن – وانه يحول دون أي تقدّم لصالح تسوية مع الفلسطينيين. لكنها لم تأتِ مطلقاً بأي كلام سلبي ضد اليهود. كانت ملاحظاتها تتركز على إسرائيل فقط.

الثاني هو ما تحوّل في حياتي المهنية كمراقب سياسي، الى "قاعدة" رصد شديد الأهمية.

قالت لي هيلين توماس: عليك أن تنتبه دائماً الى أن "الخبر الجيّد" في المواقف الأميركية الخارجية يأتي من البيت الأبيض لا من وزارة الخارجية عندما تكون هناك أحداث كبيرة. أما "وزارة الخارجية" في الأزمات فهي مصدر "الخبر السيّئ"… الذي يترك عكسه، بحكم المقام الى الرئيس.
هيلين توماس لم تتقاعد مؤخراً… تقاعدت من عملها المزمن في "اليونايتد برس انترناشيونال" عام 2000. الآن هذا تقاعد جديد كمعلقة سياسية…