//Put this in the section //Vbout Automation

سيدي الرئيس، هلاَّ تطلب البراءة – جان عزيز – الأخبار

سيدي الرئيس،

أخاطبك بلا لقب الفخامة. أولاً لأنك تدرك أن فيه شيئاً من شخصانية زمن السلطنة وتأليه الدول الكلّيانية… فيما أنت لا تحتاج إلى لوثة من دول الوصايات التي تعاقبت.




… وبلا لقب ثانياً، لأنك تعرف بلا شك، أن تلك «الفخامة»، مع سواها من الألقاب البائدة، قد ألغيت رسميّاً قبل 13 عاماً، في عهد سلفك الراحل الياس الهراوي. حتى إن كثيرين يجزمون بأن تلك الخطوة، كانت العمل الوحيد الجيد الذي حققه… والتذكير بذلك ضروري. نظراً إلى إصابة ناسنا بوباء فقدان الذاكرة. كيف لا، والبطريرك الماروني نفسه، هذا الذي أقفل أبواب بكركي للمرة الأولى في تاريخها، زمن ميلاد عام 1996، في وجه الهراوي، قيل لي إنه سيتسلم جائزة باسمه بعد أيام قليلة… وقيل إنّه سيتسلمها في حضورك أنت شخصياً، لتكتمل الفخامتان وغبطتنا معاً…

المهم سيدي الرئيس أنني أخاطبك لأمر آخر. وأنا أعلم أن لا علاقة بيننا، ولا مصالح، والأرجح لا ودّ ربما.

غير أن واجبي الإنساني والأخلاقي والوطني والمهني، يفرض عليّ مخاطبتك، لأقول لك إنني تلقّيت بالأمس رسالة من شاب لبناني موجود خارج لبنان للدراسة، يُعلمني فيها أنه بات مهدّداً بالاعتقال في حال عودته إلى وطنه، لسبب مرتبط بك أنت. واختصار المسألة، أنه وجَّه عبر الفايسبوك، ومعه نحو ثلاثين شاباً على الأقل، انتقاداً إلى شخصك الكريم…

كل ما أود قوله، أمران اثنان:

أولاً، أن أؤكد لك، ولذاك المدعي دفاعاً عنك أو باسمك أو ذوداً مزعوماً عن مقامك، أن ما يسمى حصانة في قوانيننا الوضعية، هو انتهاك صارخ لحقوق الإنسان. وأن لا مشروعية لأي ضابط قانوني وضعي، إلا في مدى احترامه للحقوق الطبيعية. وأولها حرية التفكير، التي هي نفسها حرية التعبير وحرية الإعلام.

 هذه الحرية التي لا إطار مرجعياً لها في عالمنا المعاصر، إلا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يلتزم لبنان به في مقدمة دستوره. وحتى لو لم يفعل، فهو ملزم به، وفق منطق «قانون المسلّمات». ولا قيد لهذه الحرية، إلا في حدود ما نصّت عليه المادة الـ29 من الإعلان نفسه، لجهة «تحقيق المقتضيات العادلة للنظام العام والأخلاق في مجتمع ديموقراطي». هذه المادة هي من اجتراح عظيمين: رينيه كاسان وشارل مالك. وهي وحدها ترسم الحدود بين الحرية وضابطها. وهي بالتالي تؤكد أن ما قام به الشباب الملاحقون باسمك سيدي الرئيس، ليس تجاوزاً لحق طبيعي لهم. فلا انتقادك خروج عن النظام العام، ولا مخالفتك الرأي انتقاص من مقتضى المصلحة أو الأخلاق، ولا ملاحقتهم تجري في «مجتمع ديموقراطي» قطعاً…

السبب الثاني الذي يدعوني إلى مخاطبتك سيدي الرئيس، هو أن ملاحقة هؤلاء الشباب، دون سواهم، تشي بنوع من الانتقائية، أو حتى الجبانة في التصرف، ممن أقدموا عليه.

فلماذا لم يبادر ذلك المدعي مثلاً، إلى ملاحقة وئام وهاب، يوم أطلق فيك معلقات من وهابياته الموثوقة والموثقة، فرددت عليه بتكثيف الوئام؟ ولماذا لم يلاحق ذاك المدعي سمير جعجع، حين قال علناً، إنه يعدّك رئيساً غير وفاقي؟

ولماذا لم يلاحق ذلك المدعي، حسن صبرا في وقت سابق، يوم كتب، أسود على أبيض، رأيه في اعتبارك «الرئيس السوري الذي سيعين على لبنان»؟

ولماذا لم يتحرك ذلك المدعي، أمام الحملات العنيفة التي قام بها أفراد من عائلتك، وأرجِّح تجدّدها غداً، على الفايسبوك نفسه، ضد سياسيين وصحافيين ومواطنين؟

إن تصرفاً كهذا سيدي الرئيس، من المدعي باسمك، يوحي بسلوك من نوع الاستقواء على من يُعَدّ ضعيفاً، والاستضعاف أمام من يُتوهم قوياً.

وهذا أسوأ أنواع سلوكيات البشر، فكيف بسلوكيات مسؤول؟

سيدي الرئيس، إذا كانت حرية الرأي جرماً، فسجّلني مع المجرمين. فأنا أصلاً، لم أكن إلا كذلك. واسأل ذلك المدعي، أن يضيف اسمي إلى لائحة الملاحَقين. وأؤكد لك أن اللائحة ستطول، وأن الوطن الصغير لن يتسع لأسمائها، إلا إذا ما تحوّل مرة جديدة في عهدك، سجناً كبيراً.

سيدي الرئيس، أنت من يحمل أثقال زمن الوصاية، وأثقال وصولك إلى قيادة الجيش، كما وصلت، وانتخابك رئيساً كما انتُخبت، نربأ بك، لأنك الرئيس اليوم، أن تضيف ثقلاً جديداً…

ما العمل؟ لو كنت مكانك، لأوعزت فوراً إلى ذلك المدعي ـــــ بلا تذرع بحرية قضاء ولا من يقضون ولا من يستقلون ـــــ ليطلب باسمك البراءة فوراً. البراءة، لا للشباب الملاحقين، بل البراءة لآمالهم وأحلامهم والتطلعات. وإلا فليطلب، باسمك أيضاً ودوماً، البراءة منها…
مع تقديري وبراءتي.