//Put this in the section //Vbout Automation

لماذا نسكت حيال القضايا الأخرى؟ – جان عزيز – الأخبار

بين مذبحة أسطول الحريّة وما سبقها وما قد يليها، وبين حدث مجلس الأمن وقراره تجاه إيران ونوويّها ونظامها، هل من مكان في عقولنا وقيمنا وحقنا وحقيقتنا، لقضية أخرى؟

هذا ما تقتضيه مطلقّية الحق من جهة، وما تتّسم به الجرأة الأدبيّة اللازمة لمقاربة تلك المسائل، من جهة أخرى. وهذا ما أقدمت عليه الرابطة السريانية قبل يومين، طارحةً السؤال ـــــ الاتهام: مسألة الأقليات المسيحية في الشرق الأوسط، هل يهتم الإعلام في لبنان؟




وقد يكون من المفيد إدخال تعديلين اثنين على عنوان: الأول شكلي، يستبطنه السؤال المطروح نفسه، لكن بصيغة أكثر تورية وتخفيفاً للاتهام، فيما الصيغة الفعلية وجب أن تكون: الإعلام في لبنان لماذا لا يهتم إطلاقاً؟ أما التعديل الثاني فجوهري، ويرتبط بأساس المسألة. إذ وجب أن يكون القسم الأول من الإشكالية المطروحة: مأساة أي إنسان، في أي مكان، كيف لا نهتم بها؟

والوقائع التي يوردها المعنيون بالقضية مذهلة، وتدعو فعلاً إلى الخجل: مواطن يقتل بعشرين رصاصة في كركوك، تمتنع صحف بيروت ـــــ إلا واحدة يتيمة ـــــ عن ذكر الخبر. آلاف المهجرين والنازحين والضحايا الأبرياء، لا وسيلة إعلامية لبنانية واحدة، تهتم بتضامن معهم، ولو شكلاً، ولو رفعاً لعتب أخوّة في الإنسانية، فضلاً عن شهادات لمآسي مَن حظي بنعمة اللجوء إلى لبنان، حيث تحوّل ملاذه مضطهداً جديداً، ومحطة معبرية، بين استمرار المعاناة، وبين المستقر في الغرب البعيد عن البيت والأهل…

لماذا هذا الصمت الإعلامي اللبناني الذي يلامس قانون «أومرتا» المافيات؟ الأسباب كثيرة، متعددة ومتشعبة. منها ما يتعلق بطبيعة الإعلام اللبناني الراهن، والذي تحوّل بنسبة كبيرة عن طبيعته ورسالته في الاستعلام والإعلام، إلى مجرد «أجهزة دعائية»، أعجز ما تكون عن حمل القضايا المستقلة، والتزام الحقوق الضعيفة للناس الضعفاء، كما عن صناعة رأي عام متفاعل مع الحق، بمعزل عن كل الحسابات الأخرى.

غير أن هذا الصمت المتواطئ سلباً، يصب في محصّلته، في خدمة ثلاث جهات، لا يفترض بإعلام لبنان أن يكون في خدمتها. يصبّ أولاً في خدمة التطرف الأصولي المرتكب لتلك الجرائم في حق الأبرياء. ويصبّ ثانياً في خدمة إسرائيل التي طالما همست في آذان الغرب، أنه كما هي جزء منه، أي من الغرب نفسه، لكنه مزروع في أرض الشرق، كذلك في المقابل هي تلك الأقليات جزء من الشرق، لكنها يجب أن تنزح صوب أرض الغرب.

الصمت المذكور يصب ثالثاً في خدمة مخطط غربي ما، أو لدى بعض الغرب، باحتواء مزدوج للمارد الإسلامي، منذ خروجه إلى التفجُّر «الحركي» و«الجهادي» والأصولي قبل عقد ونيّف. احتواء يوحي بالعمل على تفجيره على خطَّي تماس تناقضيين داخليين: الخط المذهبي، والخط العرقي… وفي سياق هذا المخطط لا مكان لتلك الأقليات، ولا جدوى. وبالتالي فالأفضل أن تذلّل، وأن تزول، وأن تفعل بصمت وسكون، بلا حق الوجع، ولا حتى الأنين.

لكن يبقى بعد آخر لهذا الصمت الإعلامي حيال تلك المآسي الإنسانية، هو البعد المرتبط بسيطرة منطق مركزي طاغٍ حتى ما يشبه الترهيب، تحت عنوان: مركزية القضية الفلسطينية، لا بل أحاديتها واستئثاريتها واحتكارها المطلوب للعقول: قبل النصوص، والأذهان قبل الأقلام. مركزية أحادية ترفدها ذهنيات ثلاث: أولاً ذهنية المقتنعين أيديولوجياً ـــــ على تعدّد أيديولوجياتهم ـــــ بأن لا قضية في منطقتنا تستحق الصراع والنضال والجهاد ولو باللسان، إلا فلسطين. منها تنبثق كل المسائل الثانوية الأخرى، وبحلها تحل تلك.

ثانياً، ذهنية الطبقات الحاكمة في المنطقة منذ عقود، والمنتفعة انتهازياً من تلك المركزية، على قاعدة «أن لا صوت يعلو فوق صوت المعركة». وعلى واقع استخدام تلك القاعدة لتبرير السلطويات وتسويغ بشاعاتها واستدامة الاثنين.

تبقى ثالثاً ذهنية ذميّة في الإعلام والسياسة والثقافة والسلوك المجتمعي فرداً وجماعة، تتنكر بالمألوف الطاغي وتركن إليه وتطمئن، حتى الاستكانة عن الحق.

نعم، في فلسطين قضية حق مذبوح وشعب مقهور حتى الإبادة، ونعم في المنطقة كلها قضايا مماثلة، في مبدئية القيمة المطلقة للشخص الإنساني، كما في فداحة عواقبها على كل إنسان في المنطقة، كما على قضية فلسطين. وأيّ صمتٍ عن أي من تلك القضايا، جريمة لا تخدم إلا المرتكبين على أرض أي إنسان منتهك حقه، كما المرتكبين على أرض فلسطين وبحرها وسماء الحرية…