//Put this in the section //Vbout Automation

موازنة مالية وتوازنات سياسية – عبدالله اسكندر – الحياة

فرح اللبنانيون بإقرار حكومتهم الموازنة العامة للسنة المالية الحالية، بعد سنوات من تعذر مثل هذا القرار بفعل الخلافات السياسية والطائفية التي انفجرت في 2005. وإذ تمكن مجلس الوزراء من إقرار مشروع الموازنة كيفما اتفق بعد شهور من طرحه للمناقشة، فإن فرحة التوافق السياسي المطلوب حوله تخفي الحرقة المتمثلة بارتفاع الدين العام الى حوالى 55 بليون دولار، مع خدمة تصل سنوياً الى حوالى 4.5 بليون، اي ما يوازي زهاء 150 في المئة من الناتج المحلي. وذلك في ظل اقتصاد إنتاجي هش ووضع معيشي متدهور وفقر متزايد الاتساع. في الوقت الذي تخفي نشوة المسؤولين لعدم التأثر بالأزمة الاقتصادية العالمية هامشية الاقتصاد اللبناني وتمسك المصارف المحلية باسثتمارات محلية مضمونة، ترتد فوائد باهظة على صغار المدينين من مستثمرين منتجين وأصحاب منشآت صغيرة.

في أي حال يتناقض هذا الوضع الاقتصادي، والتوافق الملتبس عليه بين أعضاء حكومة الوحدة الوطنية، مع كل ما يعتمل في البلد من أزمات معلنة وكامنة. وهي الأزمات التي تغذي بدورها الهشاشة والاضطراب، ما دامت حلولها تقع في السياسة، بمعناها اللبناني الضيق والفئوي.




لقد شارفت اقتصادات دول أوروبية على الإفلاس، على رغم تفوقها الكمي والنوعي وبما لا يقاس على الاقتصاد اللبناني، بفعل أزمة ديونها التي ظلت نسبتها أقل بكثير من تلك التي في لبنان. واقتضى إنقاذها تحركاً على مستوى الاتحاد الأوروبي وضخ عشرات البلايين من اليورو، لمحاصرة الأزمات الوطنية ومنعها من الانتشار على مستوى الاتحاد. وإذا كان الجدل لا يزال مستمراً حول السبل التي تمنع تكرار الأزمة، فإن رزمة الإجراءات المتخذة في أوروبا تطول كل جوانب الاستثمار وصولاً الى الحقوق الاجتماعية للعاملين. اذا كان الوضع كذلك في اكبر تجمع اقليمي اقتصادي في العالم، فكيف يمكن حكومة لبنانية، وإن أطلق عليها لقب وحدة وطنية، ان تجبه ازمة الديون هذه، من دون خطط اقتصادية انتاجية محلية ومن دون معاودة تفاوض مع الدائنين، وقبل هذه وتلك ارساء استقرار سياسي موثوق به على المدى البعيد يشكل حافزاً ضرورياً للاستثمارات الإنتاجية، الطويلة الأجل بالضرورة؟

لكن الواقع اللبناني يتعارض مع كل ما من شأنه ان يرسي هذا الاستقرار ويرسخ الثقة بما يجعل مسألة الدين العام مسدودة الأفق. فالمعالجات الحالية للدين تركز على مزيد من الدين. ولم تتحول مؤتمرات المانحين الى خطط عمل توظف الديون الجديدة، وتدوير القديمة، في بنية اقتصادية أكثر ثباتاً.

لا بل وجد فيها بعضٌ في حكومة الوحدة الوطنية، من المعارضة السابقة، وسيلة لمصادرة القرار السيادي اللبناني لمجرد كونها عقدت في ظل حكومة سابقة سعت هذه المعارضة الى إسقاطها. وهنا تكمن مشكلة الديون اللبنانية: يتوافر الإجماع عليها عندما تضمن مصالح الأطراف، وتصبح موضع نزاع عندما تختلف الأطراف. لا بل ثمة من ينسبها الى آل الحريري وقت الملمات ويطالب بحصة فيها وقت الاسترخاء السياسي. ولتبق هذه الديون تتراكم في ظل مد وجزر، بحسب رياح السياسة المحلية غير المنفصلة عن التوترات الإقليمية ومضاعفاتها.

لكن هذه الدوامة لا يمكن ان تستمر الى ما لا نهاية، خصوصاً أن قضايا التوتر الداخلي والإقليمي تعّقد العلاقات الحكومية من جهة، مع ما تنطوي عليه من صعوبات التخطيط والمعالجة. ومن جهة أخرى، تزيد الوضع الاقتصادي تدهوراً وتدفعه الى انفجار غب الطلب