//Put this in the section //Vbout Automation

جنبلاط أقل المتضررين… وأكثر الرابحين – ابراهيم بيرم – النهار

يكاد رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط يكون وحده اقل الخاسرين في جولة الانتخابات البلدية والاختيارية التي بسطت هيمنتها على الساحة اللبنانية طوال ايار الماضي، واستحوذت على الحياة السياسية، سواء من حيث سير المعارك وما سبقها من نسج تحالفات، وانفراط عقد تفاهمات او من حيث النتائج.

فهو الوحيد الذي لم يكن مضطرا الى ان يقدم لقاعدته الشعبية كشف حساب معلنا عن حجم الارباح التي جناها، ولم يكن مكرها ايضا على تقديم قرائن وحجج تبرر تحالفه مع هذا الفريق هنا او طلاقه مع ذاك الفريق هناك. فكل الشواهد تثبت ان جنبلاط ادار "معركته" في الجبل والبقاع الغربي وراشيا، بأقل قدر من الضجيج، وبأكبر قدر من "الحكمة" والدهاء قياسا بالتجربتين الماضيتين، اذ لم يكن على غرار الثنائي الشيعي محكوما بمواجهة لم تكن يسيرة مع عائلات وافخاذ واجباب ومواقع قوى في البلدات والقرى والمدن، ولم يكن ايضا مرغما على خوض غمار المعركة على اساس انها استكمال لمعركة تثبيت الوجود والدعائم والشرعية كما فعل زعيم "التيار الوطني الحر" النائب العماد ميشال عون، ولم يكن كذلك مضطرا الى التعامل مع المعركة على اساس انها معركة استعادة النفوذ والحضور وان من خلف قوى وشخصيات موجودة كما فعل تنظيم "القوات اللبنانية"، ولا اضطر الى ان يترك حبل اللعبة على غاربه لكي لا يصطدم بموازين القوى العائلية والحسابات والاعتبارات المحلية الضيقة، كما آثر "تيار المستقبل" ان يفعل، فمني بهزائم وجروح في مواقع كانت تدرج على انها معاقل حصينة لنفوذه، استغلها خصومه الى اقصى درجات الاستغلال.




وبناء على هذه المعطيات مجتمعة ومتفرقة، فاز جنبلاط في كل البلدات الدرزية في الجبل والجنوب (حاصبيا) والبقاع الغربي – راشيا، باستثناء حالة اعتبرت نافرة هي حالة كفرمتى في منطقة الشحار الغربي، حيث اجبرته جماعة حزبه فيها على خوض مواجهة مع الحزب الديموقراطي اللبناني بزعامة النائب طلال ارسلان و"التيار العوني" فخسر في معركة محدودة، لكن خصومه ومنافسيه شاؤوا تقديمها على انها مثال للصعوبات التي واجهها وهو ذاهب ليفرض على قواعده الحزبية والشعبية القبول بتحالفات معينة والاذعان لمقتضيات يراها هو مناسبة ويخالفه جمهوره الرأي.

ونموذج آخر مماثل على المعاندة والاختلاف ظهر ايضا في البقاع الغربي وراشيا، وبالتحديد في بلدة عين عطا، حيث اخذت قيادة الحزب التقدمي علانية قرارا بحل فرع الحزب في هذه البلدة، بعدما استعصى على جنبلاط ان يفرض على القاعدة الحزبية في هذه البلدة القصية، التفاهم مع الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي يملك قواعد قديمة في البلدة على تأليف لائحة ائتلافية، فكان ان فضل القومي الانسحاب من المعركة على حرَد، فبادر جنبلاط الى معاقبة فرقته الحزبية بطردها جماعيا بعدما غلبت على بعض عناصرها "النعرة القبلية والعائلية في السياسة التوافقية"، كما جاء في نص قرار قيادة الحزب.

بالطبع لم يكن هذا القرار ليقدم او يؤخر كثيرا في المسار العام، ولكن يبدو جليا وبحسب المتصلين بالجو الجنبلاطي، ان رئيس "اللقاء الديموقراطي" شاء عبر هذا القرار النادر، ان يبعث الى من يعنيهم الامر برسائل فحواها انه ملتزم الى اقصى الحدود مناخ التفاهمات التي عقدها مع الآخرين، وانه من جهة ثانية، قادر على التضحية ببعض محازبيه الذين سولت لهم انفسهم التمرد على توجهاته العامة، لكي يقول انه قادر على استيعاب الموقف وامتصاص المعارضات في داخل بيته السياسي في اللحظة المناسبة، وانه استطرادا ما زال قابضا على زمام الموقف في طائفته، خلافا لما حصل في "ملاعب" طوائف اخرى شهدت هزات متعددة.

لكن هذا النموذج "الجذري" في تأديب "العصاة" على توجهاته استنكف جنبلاط عن استخدامه في بلدات اخرى اكثر اهمية مثل راشيا الوادي. فلسبب او لآخر لم يشأ ان يمارس ضغوطا على قاعدته هناك، فانفرط عقد ائتلاف كان قد ظهر، وشهدت عاصمة القضاء القصي مواجهة محتدمة فازت بنتيجتها جماعته بالمجلس البلدي كاملا، ليقصوا بذلك عائلة درزية كانت تاريخيا في ذؤابة الزعامات الدرزية في المنطقة، هي عائلة العريان ووراءها عائلة الداود ووراءها ايضا دعم عائلات "يزبكية" والحزب السوري القومي الاجتماعي.

وبالطبع برر "الجنبلاطيون" بلوغ الامر هذه المرحلة من "المواجهات" بأنهم قاموا بما يمكن ان يقوموا به لتجنب المواجهة لكنهم لم يفلحوا. وفي كل الحالات كان الامر نافرا، كون جنبلاط اتبع منذ زمن وبالتحديد بعد احداث 11 ايار عام 2008 سلوكا ونهجاً ديدنه لمّ شمل البيت الدرزي والانفتاح على كل العائلات والمكونات في الجبل بما فيها تلك الموغلة بالتباين معه لانه تبين له ان سياسة الاقصاء والالغاء التي اضطر الى ممارستها عام 2005 وما بعدها، فتحت الابواب امام خصومه للنفاذ الى الجبل.

وعلى رغم ان جنبلاط جاهر بالشكوى من صعوبات واجهها عشية الانتخابات وهو يحاول تكييف قاعدته وفق توجهاته العامة، ابدى استغرابه من صعوبات ناتجة من الصراعات العائلية وحسابات البطون والافخاذ، وهو ما عبر عنه في تصريح شهير ادلى به في موقفه الاسبوعي لجريدة "الانباء" الناطقة بلسان حزبه وفحواه انه "يعكف على دراسة نظرية ابن خلدون (عالم الاجتماع العربي الشهير) في كيفية الانتقال من مجتمعات البداوة الى المجتمعات الحضرية التي لا يبدو ان لبنان وصل اليها حتى الساعة متأخرا بضعة قرون فقط". ومع ذلك نجح جنبلاط مع شركائه وحلفائه الجدد عشية انتخابات الجبل في وضع لوائح ائتلافية فازت بالتزكية في نحو ربع البلديات المعني بها مباشرة وفق تقديرات العارفين بتفاصيل الخريطة السياسية للجبل، فيما نجح مع شركائه وحلفائه انفسهم في التمهيد للفوز بلوائح توافقية في اكثر من نصف الثلاثة ارباع المتبقية.

وفي التفاصيل العامة ووفق مصادر قريبة من الزعيم التقدمي، ان جنبلاط نزل الى ميدان المعركة البلدية والاختيارية في مناطقه وهو يتكئ على نهج من اربعة خطوط عريضة هي:

– تصفية ذيول المرحلة السياسية الماضية وتبعاتها، وتثبيت التحول التدريجي في نهجه ولا سيما لجهة مفارقته معسكر 14 آذار.

– الانفتاح بشكل كامل على من هم في غير خطه على المستويين الدرزي والمسيحي.

– عدم التدخل كطرف اساسي وفاعل في البلدات السنية على وجه التحديد، مما ترك الباب مفتوحا امام "تيار المستقبل" للامساك بالقرار البلدي في هذه البلدات.

– العمل قدر الامكان لاستيعاب كل العائلات وتفرعاتها على نحو لا تشعر معها لاحقا اي عائلة بأنها اقصيت او همشت ولو كان ذلك على حساب رغبات قاعدته الحزبية. وبناء على هذه التوجهات العريضة نجح جنبلاط في ارضاء "خصمه" السابق النائب طلال ارسلان الى اقصى الحدود وخصوصا في قضاء عاليه بدرجة اولى ثم في قضاء بعبدا بدرجة ثانية، بحيث اعرب ارسلان لاحقا مرارا وصراحة عن رضاه على التفاهمات التي عقدها مع جنبلاط وحزبه، وتجنب الحديث عن اخلال حصل هنا او خرق حصل هناك، علما ان العديد من البلدات شهدت تفلتات وانسحابات كما حصل في بعورته (الشحار) وقرى اخرى.

وفي الحصيلة شعر الارسلانيون بعد الانتخابات بأنهم عادوا مجددا الى قلب معادلة الجبل، اذ استعادوا على سبيل المثال رئاسة بلدية الشويفات، قاعدة الزعامة الارسلانية التاريخية، بعدما كانت أُخذت من بين يديهم عنوة في انتخابات عام 2004، وتمثلوا في بلدية عاليه بنسبة معتبرة من الاعضاء، وان بقيت دون آمالهم، وتمثلوا ايضا في بلديات اخرى لم يكونوا حاضرين فيها سابقا.

وبالطبع سرت الرغبة الجنبلاطية في الانفتاح على الآخرين على المساحة الضيقة التي يحتلها الوزير السابق وئام وهاب، حيث اعطيت لمحازبيه بلدية الجاهلية في الشوف، وفي الوقت عينه لم يكن جنبلاط مضطرا الى ان يلجأ الى معارك في بلدات معدودة ضمن دائرة نفوذ آل الدواد غير الفضفاضة في البقاع الغربي وراشيا، اضافة الى مراعاته وضع الزعامة الارسلانية في حاصبيا والتي قَبِل ان يكون شريكا فيها وليس الآمر الناهي.

وعلى رغم ان الحزب السوري القومي الاجتماعي، الشريك التاريخي في خريطة الجبل السياسية، لم يعلن فوزه برئاسة اية بلدية كما كان الوضع سابقا، الا انه لم يصدر عن هذا الحزب الثمانيني ما ينم عن احساسه بالغبن والتهميش، فقد ا باح جنبلاط له التمثل بقدر معين، وقبل هو ان يكون مظلوما في بعض المواقع (مثل بيصور) لان العلاقة المستقبلية مع جنبلاط ابقى واربح بالنسبة اليه.

اما على مستوى القرى المسيحية او القرى المختلطة (درزية – مسيحية)، فالواضح ان جنبلاط اشعر العونيين بانفتاحه عليهم فخاض معهم مواجهات عدة مع خصومهم هم ولا سيما في الدامور ودير القمر وبلدات اخرى، فتملكهم احساس قوي بأنهم عادوا الى هذه البلدات بعدما كانوا يشعرون دوما بأنهم غير مرغوب بهم فيها.

اما المفارقة الكبرى فكانت مقاربة جنبلاط لواقع الحال في البلدات السنية وخصوصا في اقليم الخروب، حيث بادر الى سحب مرشحيه مثلا من بلدة برجا بعدما شعر باحتدام المعركة هناك بين "تيار المستقبل" و"الجماعة الاسلامية" التي اخفقت بالاحتفاظ برئاسة بلدية هذه الحاضرة الكبرى من حواضر الاقليم.

وارتضى جنبلاط حتى بأن ينسحب من معركة بلدية الوردانية، ليخلي الساحة لـ"تيار المستقبل" الذي بادر الى الزعم بأنه كسب الجولة فيها على "حزب الله" وحركة "امل".

وبذا يبدو واضحا ان جنبلاط "احنى رأسه" للعاصفة، فهادن حيث ينبغي ان يهادن، وسمح للآخرين بمشاركته حيث يتوجب ان يطوي ذيول المرحلة السوداء الماضية، وترك الساحة لـ"تيار المستقبل" وفتح قنوات التواصل مع العونيين من دون ان يوصد الابواب مع "القوات اللبنانية" حلفائه السابقين.

وبعد انطواء صفحة المعركة نهائيا، ورغم كل ما حققه، فان جنبلاط اعلن ان ثمة "محاسبة جادة" لعناصر حزبه حيث اخفق، وهو بذلك شرع الباب امام خطوة كان يعتزم القيام بها منذ زمن، وهي اعادة ضخ الدماء في شرايين حزبه عبر "حفلة" تطهير، على غرار ما بدأ به العديد من القوى الاخرى، مستغلة نتائج حدث الانتخابات التي تبيح لأي كان القول ان ثمة اخطاء اعترتها.