//Put this in the section //Vbout Automation

الوشاح الأخضر – ماري حداد

صباحاً و كالمعتاد كان سمير مستلقياً على كرسيه يشربُ القهوة من فنجانه بهدوء , شارد الأفكار تارة يحدق بالأفق البعيد و تارة يجول بنظره باحثاً عن اي شيء غريب يلهمه لكتابة موضوعه الجديد , اشعل سيكاره و أطلق لأفكاره العنان .. نعم وجدتها تملل بمقعده و شبك يديه تحت رأسه هذا هو الموضوع سأكتبُ عن الجمال , نعم جمال الطبيعة و كيفية الحفاظ على البيئة, أبتسم علامة الرضى و ماهي إلا لحظات حتى أختفت الأبتسامة , كلا أنه موضوع ممل و لا يشد القراء ( يا إلهي ماذا سأكتب )

و لكنه أنتبه فجأة و قفز من مقعده قفزة واحدة و ألقى بمعصميه على حافة الشرفة المطلة على الطريق العام , ماهذا الجمال!!! من هي هذه الفتاة المتمايلة تمشي على الرصيف المقابل لشاطيء البحر ,
و لشدة جمالها و قدها المياس تباطىء السير و تشابك فأنشغل شرطي السير بها متناساً عمله تمشي ببطء وخلفها وشاحها الأخضر يطير ملتفٌ حول عنقها الجميل بفخر و أعتزاز و مع نسمات الهواء يرقص بفرح فهو كان منسياً على رف عتيق في بيت جدتها بعدما طلبته الفتاة منها , أحس سمير برعشة غريبة و تسارعت دقات قلبه حتى شعر كأن الأغماء سيصيبه , جلس على مقعده ليستريح معتقداً بأن التعب سبب الأعياء , لم يهدأ و لم يشح بنظره عنها لقد أصابته بسهم لم يدرك معناه , تابعها بنظره بعد أن جلست على مقعد بأنتظار الباص يـتأملها و أفكاره تجول و تجول و لا من فكرة محددة عن ما يصيبه

و بعد دقائق أستقلت الفتاة الباص و رحلت تاركةً سمير بحيرة من أمره من هي ؟ و أين تسكن ؟

و بعد فرز أفكاره قرر بأن يستكشف غداً سرها , و هذا ما حصل لقد أصبحت هاجسه يراقبها كل يوم صباحاً و هي تستقل الباص الى أن قرر ذات يوم أن ينتظرها أمام موقف الباص و لدى وصولها صعد خلفها الى الباص قاصداً مرافقتها الى حيثُ تقصد , و هذا ما حصل و لدى أستعدادها للنزول من الباص أسرع الخطى و نزل خلفها يتابع خطواتها الى أن وصلت الى مقصدها , شركة صديقه يا للصدف رافقها بالمصعد يختلس النظر الى وجهها الهادىْ و الجميل , ثم وصل الى الطابق المنشود فدخل الى مكتب صديقه الذي أستقبله بترحاب و أستغراب شديد لزيارته المفاجئة فسارع لتبرير ما يحصل بأن الشوق لرؤيته دفعه لهذه الزيارة و بعد فترة وجيزة من الوقت وبعد محادثات متنوعة عن الأحوال العائلية و العملية دخل سمير صلب الموضوع سائلاً صديقه عن الفتاة ذات الوشاح الأخضر فبادره بقوله أنها فتاة من عائلة متواضعة تعمل لديه كاتبة تختص بالقصص الأجتماعية و هي بارعة جداً و تتمتع بصفات حميدة , و بعد استفسارات كثيرة عن أسمها و سكنها بدى الذهول على وجه صديقه و بادره مستفسراً عن سر هذا الأهتمام , ثم ضحك الصديق بعدما علم السر من نظرة عينيه , فأرسل بطلب الفتاة وحجته الأطلاع على مقالها الجديد و لدى دخولها وقف سمير ليلقي التحية عليها معرفاً عن نفسه فأبتسمت له و قد أحمرت وجنتاها من الخجل و هي تحاول سحب يدها من قبضة سمير الشارد , جلسا لساعات يتبادلون الأحاديث و التعليقات على مقالها و توقعوا لها مستقبل بارز لروعة ما خطى قلمها من أفكار و عبر ملهمة .

و بعد هذا اللقاء كثُرت زياراته لصديقه مما ساهم بتوطيد العلاقة بينه و بين الفتاة , و أصبحا عاشقين لا يتفارقا إلا عند المساء , و ذات يوم أخذها معه الى منزله ليعرفها على الأهل , فدخلت المنزل و الدهشة تكلل محياها منزلٌ ضخم يدلٌ على وضعهم المالي الميسور فشعرت بالأحراج وهي الفتاة ذات الوضع المالي المتواضع , لكن سمير لم يترك لها المجال فبادر بقوله بأنها فتاة أحلامه و لا يهمه الحسب و النسب جلُ ما يبغيه الصدق و الحب و الأمانة من شريكة حياته , فوافق أهله على كلامه و علامة الرضى بادية على وجوههم , ومن ثُم دخل جدُ سمير الغرفة , رجلاً أشرف على السبعين , تبدو على سيماته و هيئته آثار النعمة , طويلُ القامة ممشوق القد و قد عجزت السنين عن تشويه هيبته و جماله , أقترب من الفتاة مصافحاً يدها . و فجأة تسمر بمكانه و عيناه جامدة و محدقة بالشال الأخضر , تفاجأ الجميع من تصرفاته فتقدم منه سمير يهزه بكتفه متساءلاً عن سر هذا التصرف الغريب فبادر جده الفتاة بسؤالها عن مصدر شالها فأخبرته بأن يخص جدتها , فسألها و الرعشة بادية عليه عن أسم جدتها قبل الزواج و لدى سماعه الأسم جلس على كرسيه متهالكاً و كأن التعب قد أعياه مما زاد دهشة الحاضرين فسارع سمير الى جده يسأله عن سبب هذا الذهول , عندها قال لهم أجلسوا فساروي لكم قصتي مع الشال الأخضر .

في ريعان الشباب تعرفتُ على فتاة بارعة الجمال و قد غزا الحُبُ قلبينا قتعلق أحدنا بالآخر و لم يمنعني الفارق الأجتماعي بيننا من التعلق بها حتى جعلتها أمنيتي في الحياة , و كانت نزهاتنا طويلة نقوم بها في الغابات مع الأصدقاء لحبي الكبير للطبيعة و بالأخص للون الأخضر لأنني اعتبره لونٌ ألهي .

فهو اللون الذي انعم علينا به الرب , و بعيدي مولدها أهديتها شالٌ أخضر حريري عربون حبنا و الرابط الذي سيجمعنا , و لكن لسؤ القدر قوبلتُ بالرفض القاطع من قبل الأهل لهذه العلاقة الغير متجانسة فأصروا على قطع العلاقة لكنني رفضت , فأقترحوا علي بالسفر الى الخارج لأكمال دراستي على أن تستمر علاقتنا و عند عودتي أقترن بقتاة أحلامي فوافقت و أطلعتُ حبيبتي على مرادي فرضخت لقراري المفاجىء بطيبة و تواعدنا على المراسلة الدائمة , و مرت سنين تخصصي و أنا أحاربٌ الأشتياق لحبيبتي بكتابة عواطفي و محبتي لها برسائل يومية , و لكن لا من مجيب , أنتهت فترة دراستي و عدت الى وطني و أول ما بادر الى ذهني الأستفسار عن وضع حبيبتي و هالني ما علمت بأنها قد تزوجت من شخص غريب عن القرية و سافرت معه حزنت كثيراً و لم افهم السبب وراء تصرف حبيبتي , وهذا الحزن رافقني طيلة حياتي مع العلم بأنني قد تزوجتُ بسيدة فاضلة عاملتها بأحترام و محبة لكن الحب الحقيقي بقي يحفرُ بقلبي .

تأثر الجميع لرواية الجد و تقرر التحضير للقاء الحبيبين .

و بعد أيام حضرت الفتاة ترافق جدتها الى منزل سمير و بعد السلام و الترحيب ألتقى جدُ سمير بجدة الفتاة و الحزنًُ بادياً على وجهيهما فسألها عن سرها الغريب قفالت له بأنها حاولت المستحيل للحصول على عنوانه البريدي من والدته فأعطتها عنوانٌ ربما هو مغلوط وكانت رسائلها تعودُ بختم مرفوض و أيضاً لم يصل ليدها رسائل منه فقد كانت والدته تحتفظ بها لذلك و بعد مرور أعوام أقتنعت بأنه قد نسي الحب الذي جمعهما فرضختُ لمشيئة أهلها و تزوجت بشاب و سافرتُ معه الى أميركا و لكن و لسؤ حظها توفي بعد خمس سنوات فعُادتُ الى الوطن و تابعت حياتها و عزائها و مرافقها الوحيد هو هذا الصندوق , قتقدمت منه وأعطته أياه ففتحه فوجد رسائلها و قد تخطت المئة لمسها بيديه فأغرورقت عيناه و نظر إليها و قال سامحيني على الشك الخبيث الذي رافقني كل هذه الأعوام فلم اكن أدرك فظاعة تصرفاتي أهلي لقد فرقوا بيننا و لكنهم لم يستطيعوا قتل حبناً لقد تاه سنين و عاد و جمع أحفادنا بحب جديد و هذا الشال الأخضر هو حبنا و قد أورثناه لأحباءنا أنه شال الحب النقي و المخلص الوحيد لحبنا القديم .
أنه القدر عاد و جمع أحفادنا بسحر الشال الأخضر.