//Put this in the section //Vbout Automation

تغيرات تضع إسرائيل أمام المنحدر – بلال الحسن – الشرق الاوسط


كثيرا ما تصرفت إسرائيل، ومن ورائها الولايات المتحدة الأميركية، على أنها تسيطر على المنطقة العربية، وأن لديها القوة التي تؤهلها لفرض ما تريد. وقد كانت سلسلة الحروب التي خاضتها إسرائيل ضد العرب، مشجعة لها لكي تتصرف دائما على أنها الجهة التي تفرض ما تريد، والجهة التي لا يستطيع أحد أن يمس مكانتها. ونشأ عن ذلك وضع متوتر دائم في المنطقة، انعكس على الكثير من نواحي الحياة، خاصة الاستراتيجي منها.




إلا أن ثمة تغيرات أخذت تتبلور في المنطقة بالتدريج، أحدثت حالة من التغير الذي يمس وضع إسرائيل. وفي هذا التغير تنمو قوى جديدة، تعدل في موازين القوى لصالح الفلسطينيين والعرب، وتضع إسرائيل في مواجهة مصير جديد لم تكن تتحسب له. وسنحاول هنا أن نحدد عناوين هذا التغير:

العنوان الأول: الصمود الشعبي الفلسطيني. فقد تعرض الشعب الفلسطيني لعمليات ضغط كبيرة وكثيرة، مورست بالكامل من خلال عملية الاحتلال الإسرائيلي، وأخذت أشكال: القتل، والأسر، والترحيل، وتدمير البيوت، ومصادرة الأراضي، وتفشيل كل محاولات التسوية السياسية، وبهدف أن يصل المواطن الفلسطيني إلى مرحلة اليأس والاستسلام. وقد بلغت هذه السياسة ذروتها في الحرب على غزة، حيث مورس التدمير المنهجي بأبشع صوره، ومنعت عملية إعادة البناء من خلال أقسى أنواع الحصار. كما بلغت ذروتها في حالة حصار الضفة الغربية، التي تمت من خلال أكثر من 400 حاجز، يعطلون كل احتمالات الحياة المنتجة. ولكن الذي حدث كان مفاجئا للاحتلال الإسرائيلي، ومفاجئا لمن دعموا وجوده مع استمرار أساليبه البشعة، إذ مثل الشعب الفلسطيني حالة من الصمود النفسي، ومن رفض الانكسار، يعترف بها الإسرائيلي ولو سرا، ولكنه يعترف بها علنا أيضا من خلال بناء «سور الفصل العنصري» الذي يحتمي خلفه.

العنوان الثاني: نمو الحالة النضالية لدى فلسطينيي 1948، فقد تعرض هؤلاء منذ إنشاء دولة إسرائيل إلى أقسى وأشد أنواع الضغط الهادف إلى تدمير نفسيتهم وشخصيتهم، وتم وضعهم بشكل مدروس في أتون حالة غير إنسانية تسعى إلى تحويلهم إلى مجموعة من المرتزقة، لا همَّ لهم إلا التذلل للحاكم الإسرائيلي من أجل الحصول على لقمة العيش. ولكن ما هي إلا سنوات، حتى تحول هؤلاء المحاصرون داخل وطنهم، إلى قوة سياسية، فنظموا أنفسهم في أحزاب، وأعلنوا أنهم أصحاب الأرض الأصليون، وأنهم يرفضون الاحتلال، ويرفضون الانتماء إليه، ويعلنون بالمقابل أنهم جزء من الشعب الفلسطيني، وأنهم جزء من أمتهم العربية. وبدأوا يرفعون الصوت في وجه أساليب الاحتلال التي ترغب في إذلالهم وتطويعهم. وهم الآن حالة شعبية نضالية تقلق إسرائيل، حتى إنها لجأت إلى أسلوب جديد في مواجهتهم، هدفه كسر شوكة قياداتهم، وتشويه سمعة هؤلاء القادة، من خلال التركيز على أن اعتقالهم وسجنهم لا يتم بسبب مواقفهم السياسية، بل لأنهم جواسيس وخونة ومرتزقة، يتعاملون مع «العدو» العربي، و«يتجسسون» لصالحه، مقابل حفنة من المال، وذلك من أجل إيجاد حاجز معنوي بينهم وبين جمهورهم.

العنوان الثالث: نمو فكرة المقاومة في المنطقة، أولا ضد الاحتلال الإسرائيلي، وثانيا ضد سياسات الدول الأخرى الداعمة لهذا الاحتلال، وعلى الرغم من أساليب قمع المقاومة تنظيما وفكرا، فإن فكرة المقاومة بقيت ثابتة وصامدة، بل وأخذت بالاتساع من الإطار الفلسطيني إلى الإطار العربي. ولم يكن خروج إسرائيل من لبنان عام 2000، ثم ما تلاه من نتائج في حرب 2006، إلا علامة من علامات فكرة المقاومة واتساعها وقدرتها على التأثير. ولقد أدت فكرة المقاومة، ونتائجها العملية، إلى إدراك إسرائيل أن نظريتها الأمنية الاستراتيجية التي تقوم على قاعدة الضربة المسبقة، والقتال في أرض الخصم، وإبقاء الجبهة الإسرائيلية بعيدة عن ميدان المعركة، قد سقطت ولم تعد ممكنة التحقيق على الأرض. وتحاول إسرائيل الآن أن تعوض هذا التغير الإجباري الذي تواجهه، برفع راية القدرة على التدمير، بينما تتكفل أنواع الأسلحة الجديدة بجعل التدمير سلاحا ذا حدين.

العنوان الرابع: هو تغير النظرة العالمية إلى إسرائيل، خاصة داخل الأطر الغربية التي كانت مؤيدة لها تاريخيا. لقد بدأ هذا التغير احتجاجا على سياسات الاحتلال، فنشأت في بريطانيا أولا، وبقيادة أكاديميين يهود، الحركة الداعية إلى مقاطعة إسرائيل علميا وأكاديميا. ثم نشأت في عدة دول أوروبية الحركة الداعية لمقاطعة البضائع الإسرائيلية التي تم إنتاجها في المستوطنات، وعلى قاعدة أن هذه المستوطنات ليست شرعية، وليست قانونية، ومخالفة لاتفاقية جنيف الرابعة. ونشأت بعد ذلك، وعلى نطاق أوسع، حركة الاحتجاج على حرب إسرائيل ضد قطاع غزة، ذلك أن تلك الحرب، جرت بكل بشاعاتها أمام شاشات التلفزيون، وأثارت همجيتها، وقساوتها اللا إنسانية، ضمير الكثيرين من أحرار العالم. وحين تواصل حصار غزة بعد توقف تلك الحرب، الحصار الذي لم يحدث له مثيل في التاريخ، ازداد تفاعل أحرار العالم مع مأساة غزة، وازداد غضب أحرار العالم على سياسة إسرائيل، وبلغ هذا الغضب ذروته في حملات السعي لرفع الحصار، وحين حصلت المواجهة مع «أسطول الحرية» في المياه الدولية، ثار غضب العالم أكثر وأكثر، وأصبح هذا الغضب مؤشرا على تراجع مكانة إسرائيل، وعلى تغير نظرة العالم إليها.

العنوان الخامس: هو التغير النوعي الحاصل داخل إسرائيل، حيث تحولت إسرائيل مع الزمن إلى دولة يمينية عنصرية فاشية، تسيطر عليها الأحزاب الدينية المتعصبة، وترتفع فيها شعارات الطرد والترانسفير، وتحول برلمانها إلى ميدان يومي لإصدار القوانين التي تشرع الاضطهاد ضد كل من يعارض سياسات الحكومة أو سياسات تلك الأحزاب المسيطرة، وفي المقدمة منها الأقلية الفلسطينية الناهضة. وبهذه التغيرات لم تعد إسرائيل تمثل نموذجا «غربيا» يقابله المواطن الغربي بالإعجاب، بل أصبح يرى في هذه التطورات ردة على الفكر الحر وعلى الديمقراطية وعلى القيم الغربية. وأخيرا بدأ هذا التغير النوعي في بنية المجتمع الإسرائيلي، ينعكس على علاقاتها الداخلية، فبدأنا نشهد صراعا متخلفا بين المتدينين والعلمانيين، وصراعا بين اليهود الغربيين واليهود الشرقيين، وعبر هذا الصراع عن نفسه بمظاهرات واحتجاجات، حتى من قبل العائلات والأسر، يعلن كل طرف فيها أنه لا يريد أن يجلس أبناؤه في المدارس مع أبناء الطرف الآخر.

تمثل هذه العناوين الخمسة حالة التغير التي تعصف بإسرائيل، تحيط بها وتتفاعل داخلها، وتؤشر إلى أن وضع إسرائيل قد انتقل من حال إلى حال، حتى إن رئيس دولتها، والصهيوني الأول فيها، شيمعون بيريس، بات يعلن أن مستقبل إسرائيل قد أصبح في خطر.

يقول ابن خلدون: إذا وقع الهرم في الدولة فإنه لا يتوقف.