//Put this in the section //Vbout Automation

لا يسار في لبنان – اياد أبو شقرا – الشرق الاوسط


«كل يمين في العالم غبي» (وليد جنبلاط)




كعادته، فجّر الزعيم اللبناني وليد جنبلاط، مؤخرا، قضية خلافية شغلت اللبنانيين. وجاءت هذه المرة في موضوع منح اللاجئين الفلسطينيين في لبنان الحقوق المدنية على قدم المساواة مع ما يحصل عليه أي مقيم غير مجنّس في بلد إقامته.. طوعية كانت إقامته فيه أم قسرية.

جنبلاط علّق خلال المناقشات المحتدمة التي انتهت بتأجيل مجلس النواب التصويت، فقال أمام النواب: «كل يمين في العالم غبي، ومنذ 62 سنة لم يتغير شيء. إذا كنتم تريدون أن تؤجلوا فهذا تأجيل للمشكلة. حصار غزة عنوانه إسقاط حماس، لكنها قويت. وفي لبنان، يؤدي تداعي السلطة الفلسطينية إلى نشوء حركات أصولية في المخيمات وتهجير الفلسطينيين، ثم نبدأ بالإعمار. لم أر أغبى من اليمين اللبناني».

كان طبيعيا أن يثير هذا الكلام عاصفة من الانتقادات والتأويلات، والشماتة أيضا. ولكن المثير أن استخدام جنبلاط تعبير «اليمين اللبناني» المنعوت بالغباء أثار غضبة اليمين المسيحي حصرا.. وكأن المسلمين في لبنان يساريون!

قد يكون وليد جنبلاط محقا باتهام «اليمين اللبناني» بالغباء من حيث المضمون.. إلا أنه مخطئ تماما من حيث الشكل. فالحقيقة أنه لا يسار في لبنان اليوم.. لأن السني والشيعي والدرزي يمينيون، تماما، كالماروني والأرثوذكسي والكاثوليكي والأرمني وغيرهم.

وحتى إذا ذهبنا أبعد من التكتلات الطائفية لوجدنا أن القومي – بوجهيه السوري والعربي – ومن يدّعي أنه شيوعي، هو الآخر يميني بامتياز من واقع انخراطه في تحالفات مع قوى دينية ومذهبية وطبقية مناقضة لكل شعاراته، على الرغم من زحفه الفولكلوري «الصبياني» الموسمي للهتاف والشتم وحرق العلم الأميركي أمام مقر سفارة الولايات المتحدة.

اليسار مصطلح سياسي يفترض وجود مشروع جدّي عريض يتجاوز الحواجز الفئوية والمصالح الآنية، بينما تمنع الحواجز الفئوية والمصالح الآنية في لبنان ظهور أي مشروع وطني عريض. والحقيقة أن هذه الظاهرة تسود في عدد من المجتمعات العشائرية في العالم الثالث، كما أنها ليست غريبة عن بعض المجتمعات الغربية المسكونة بالخلفيات الطائفية أو العرقية، كجمهورية أيرلندا وإقليم أيرلندا الشمالية البريطاني مثلا.. وبنسبة أقل قبرص وبلجيكا.

ففي جمهورية أيرلندا لا أحزاب يسارية بالمعنى الصحيح، خاصة على صعيد السياسة الاقتصادية في أيرلندا. لأن الصراع السياسي البرلماني محصور فعليا بين حزبين تاريخيين استقلاليين رافقا مسيرة النضال الاستقلالي الأيرلندي عن بريطانيا، هما «فيانا فويل» المتشدد في مقارعة البريطانيين والمزايد على باقي الاستقلاليين والأقرب إلى الكنيسة الكاثوليكية وذهنية الأرياف، و«فيني غايل» البراغماتيكي في نضاله الاستقلالي والأقل التصاقا بالكنيسة والأقرب إلى الخلفية المدينية.

في لبنان، المشروع الوطني العريض غائب أو مغيّب. والإرادة الجماعية في بناء وطن يتساوى فيه الجميع من حيث الحقوق والواجبات وتتعامل فيه الدولة مع الفرد كمواطن لا كجزء من قطيع، غير واردة. واحتمال قبول المحيط ببقاء هذه التجربة التعايشية بمنأى عن التجاذبات ومشاريع الضم والإلحاق والاستغلال والتفجير من الداخل، معدوم.

وبالأمس، عند مناقشة البرلمان مسألة الحقوق المدنية، كان الأفصح والأكثر مزايدة لتأجيلها تمهيدا لدفنها، نواب التيار العوني البرتقالي حليف حزب الله المتحمّس لحقوق الفلسطينيين وقصف إسرائيل في البر والبحر بالصواريخ (!). كذلك كان صوت الطرف المسيحي الآخر في البرلمان قويا ومجلجلا في المطالبة بالتأجيل مع أنه الطرف الذي طالما اتهمه العونيون – ورفاقهم في 8 آذار الطيبة الذكر – بأنه تحت إمرة السنّية السياسية المتحالفة مع واشنطن، والمتحرقة لتوطين الفلسطينيين في لبنان.

ثم إن جنبلاط لم يشر تحديدا إلى اليمين المسيحي. وربما كان – بصورة غير مباشرة – يغمز من قناة اليمين المسلم بشقيه المهيمنين السنّي والشيعي، إذا كان مقتنعا بأن المسيحيين في لبنان باتوا في حالة تراجع نهائي. فلعله يلاحظ أن بعض السنّة في لبنان ماضون قدما في توفير المناخ المؤاتي لنمو القوى الأصولية لاقتناعهم بأنها الوسيلة الأضمن للتصدي لمشروع هيمنة إيراني في البلد. وفي المقابل، ربما يشعر أن القوى المتحكمة بزمام الشارع الشيعي لا تزال تسيء تقدير مرارة رد فعل الشارع السنّي ومفعوله الزمني على هيمنتها الميدانية.. على الرغم من بوادر استعادة تركيا حضورها في ضميره بعد الاعتداء على «أسطول الحرية».