//Put this in the section //Vbout Automation

معركة الحريات الاعلامية معركة حكم القانون – رفيق خوري – الانوار

معركة الدفاع عن الحريات الاعلامية هي جزء من معركة الدفاع عن بناء الدولة. ومن الطبيعي أن ترتفع حرارة المعركة حين يظهر أو يكبر خلل في العلاقة بين مثلث السياسة والقضاء والاعلام. فالحريات الاعلامية ليست فقط حرية الاعلاميين بل هي أيضاً حرية المجتمع في إطار حكم القانون لا في إطار قانون الحكم، والفارق كبير بينهما. ولا شيء يكشف الخلل أكثر من أن تكون الحريات السياسية أوسع من الحريات الاعلامية، وأن تبقى استقلالية القضاء مطلباً يعز الوصول اليه منذ ولادة الجمهورية حتى اليوم.

ولا معنى للحريات السياسية من دون حريات إعلامية محصنة بقضاء مستقل نزيه وممارسة تكفل التكامل بين ثلاث حريات: حرية التفكير، حرية التعبير، وحرية التغيير. فمن دون حرية التعبير تصبح حرية التفكير مجرد رياضة ذهنية. ومن دون حرية التغيير تصبح حرية التعبير مجرد تمارين مكررة في العبث، و(لا تقدم حيث التكرار) كما يقول علماء الاجتماع.
ذلك أن الاحتكام الى القضاء حق لأي متضرر من ممارسة اعلامية غير مسؤولة. ولا أحد يعترض على الاحتكام الى القضاء، ولا بالطبع على تطبيق القانون ولو كان مجحفاً، في انتظار القدرة على تغييره وتطويره. لكن الاعتراض يصبح حقاً وواجباً في حالين: سوء استخدام القانون، والتعسف في استخدام القانون.

وهذا ما حدث في قضية محطة (أو تي في) التي أحيلت على قاضي الأمور المستعجلة فنظر في الأساس وسط تحديد غرامة بمبلغ خيالي، بدل أن تحال على محكمة المطبوعات حسب قانون الصحافة وقانون الاعلام المرئي والمسموع. وما حدث أيضاً في موجة من الأحكام المشددة بالسجن أو الغرامات على عدد من المسؤولين في الصحف أو من الذين تحدثوا اليها.

وليس صحيحاً أن القضاة جميعاً منزهون عن الخطأ. فلو كان ذلك صحيحاً لما تشكلت المحاكم على درجات، بحيث يستطيع أي متضرر من الخطأ من الطعن بالحكم أمام محكمة أعلى درجة.
وليس صحيحاً أن السياسيين يترفعون عن محاولات التدخل في القضاء. فلو كان ذلك صحيحاً لحصلت السلطة القضائية على استقلاليتها الكاملة من زمان. والواقع أن الحريات الاعلامية تساهم في تحصين القضاء من المداخلات السياسية بمقدار ما يساهم القضاء في تحصين الحريات الاعلامية واعطاء الحقوق للمتضررين من سوء استخدامها.

ومن هنا نبدأ. وهذا هو عنوان المعركة الحالية. فالكل في الحكومة. والكل يعلن أنه ضد التضييق على الحريات الاعلامية. لكن التضييق حاصل مع الأسف، سواء كان بالخطأ أو بالقصد. وليس هذا هو الطريق الى بناء مشروع الدولة، ولا حتى الى استعادة السلطة للهيبة.