//Put this in the section //Vbout Automation

وليد عيدو … و شبح المدينة الملعونة – سلمان العنداري

يوم 13 حزيران 2007، كان الطقس حاراً في بيروت، وكانت رائحة الموت تصول وتجول في ارجاء المدينة "الملعونة" التي حكم عليها حينها بالتعرّض لأبشع اشكال القتل والاعتداءات. وفي وقت كانت فيه القوات العسكرية اللنبانية تواجه الارهاب في مخيم نهر البارد وتخوض اشرس المعارك والمواجهات والاشتباكات مع بعض القوى المتطرفة والاصولية، كانت بيروت العاصمة على موعد مع القتل الجبّان، اذ تحوّلت منطقة المنارة الهادئة والساحرة، الى بؤرة موت، يحيطها الدمار والعنف والحقد. فكان النائب وليد عيدو، البيروتي العريق، الذي استشهد ونجله في احدى اكثر الاماكن قرباً الى قلبه وعقله…بيروت.

الانفجار الذي دوّى في محيط ملعب النجمة والرياضي، وعلى مقربة من مدينة الملاهي بجانب المعرض الصيني، وبمحاذاة مقهى الروضة التاريخي، ادى الى مقتل وجرح العشرات، ومن بينهم النائب عيدو ونجله خالد، حيث انتظرهما الموت المتعمّد بعبوة ناسفة وضعت في سيارة مفخخة…




ثلاث سنوات مرّت، وكأنها البارحة، ومسلسلات القتل والاغتيالات الوقحة بتنا نستذكرها كل سنة، حتى باتت الذاكرة متخمة ومليئة بصور هؤلاء الشهداء، وتلك القافلة العابقة بالاستقلال والجرأة والتضحية والثورة، على أمل ان لا تذهب كل تلك التضحيات مع الريح، في وقت تهب الرياح العكسية شمالاً ويميناً، شرقاً وغرباً، تنذر بانقلاب، او بتحولات، او بانكفاء.

في هذه الذكرى، لا بد من الاعتذار من وليد عيدو، كما كل شهيد ومناضل في ثورة الارز. اعتذار من القلب على كل تقاعص او تراجع او استسلام او تغاضي، او افتراق او خلاف او اشتباك، اعتذار عن كل خطأ اقترفته قوى 14 آذار، لأن الاخطاء كما يقول الشهيد سمير قصير "تقصّر المهل"، وتبعدنا من الوصول الى ضفة الانتصار، والحقيقة، والاستقلال، وطبعاً السيادة.

في مقهى الروضة، ونادي النجمة، حيث كان للنائب عيدو اجمل اللحظات واللقاءات والاحاديث، الجو هادىء لا يخلو من الحركة. الوجوه القديمة ما تزال هي هي، منها من ذهب بعيداً، ومنها من بقي يلملم شتات ذكرياته على بحر بيروت الازرق. اما الوجوه الجديدة والشابة، فتكاثرت وتضاعفت اعدادها، وضاعفت بالتالي من حيوية النادي وروّاده… اما الفراغ الذي خلّفه استشهاد النائب عيدو فكان كبيرا، لا بل قاسياً وموحشاً ومقلقاً، فراغ في المكان، وفراغ في السياسة، وفراغ في القلب ايضاً.

الجميع يتحدّث عن تواضع "الاخ عيدو" وحسن معشره، ولياقته وانسانيته، وبيروتيته المتأصلة بعروقه، فصديقه النائب بدر ونوس عرفه عندما كان الشهيد قاضياً ومدع عاماً في منطقة الشمال "وكنت حينها امارس مهنة المحاماة، ومع الوقت تعرفت عليه اكثر فأكثر، فكان رجل حق وقول وعلم، الا ان جمعتنا الندوة البرلمانية، وخضنا معاً الكثير من محطات النضال، فكان شجاعاً وقوياً لا يخاف البوح بالامور كما هي، فقتلته كلمته وجرأته ودفاعه عن الحق".

يؤكد النائب نبيل دو فريج ما قاله ونّوس، "فالشهيد ذهب ضحية مواقفه وشجاعته، خاصةً من خلال الحرب القاسية التي خاضها للإقامة المحكمة الدولية في لبنان، فكانت مواقفه متقدمة الى حد كبير على عدد كبير من السياسيين في لبنان، اذ كان يقول بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005 انه مشروع شهيد، "ومش قرقانة معي الحياة بعد استشهاد الشيخ رفيق"، وبالفعل، جاء يوم 13 حزيران وادى الى استشهاده ونجله خالد، حيث دفع الزميل عيدو ثمن مواقفه العالية النبرة".

"وعلى سيرة المحكمة والعدالة" التي تتعرض اليوم لاعنف الحملات السياسية من بعض المتضررين، قال الشهيد عيدو في آخر احاديثه: " انا وتركيبتي القضائية تجعلني اقول كل الحقيقة، ففي العدلية لا يوجد نصف حكم ولا نصف حق، ولا تستطيع ان تصدر حكماً وانت محتار بين الموافقة والرفض. وهذا الطبع القضائي يلعب دوره في موقفي السياسي. فأقول كل الحقيقة احياناً بشكل جاف وقاس، انما بشكل مطلق لأني لا اناور، وانا اعتقد ان قول الحقيقة وتسمية الاشياء باسمائها اهم من الامساك بالعصا من النصف".

وفي هذا الاطار يشدد دو فريج على ان "النضال من اجل المحكمة سيستمر، ولن نستسلم لكل محاولات التيئيس التي تمارس، فالمحكمة اتّخذت مسارها الثابت، على امل ان تبرهن الشهور المقبلة على ان لا شيئ يمكن ان يذهب هدراً في لبنان".

"صقر المستقبل" غاب عن الانظار، ولكنه باق في القلوب، وفي جرح بيروت الذي لن يندمل الا اذا وصلت المحكمة الدولية الى الحقيقة الكاملة، واذا تحققت العدالة بحذافيرها، واذا تمت معاقبة القاتل وسوقه الى محاكمة كاملة… فهل تحول المدينة الملعونة الى مدينة للعدالة والحياة والمحاسبة لا للمؤامرات والانكفاءات والمواربة؟. وهل تتوقف الحملة على المحكمة الدولية في الايام المقبلة ام انها ستزداد؟.