//Put this in the section //Vbout Automation

أبو ملحم في المنام – الفضل شلق – السفير

جاءني ابو ملحم في المنام. قدّمت له فنجاناً من القهوة. بدأ يتحدّث وكأنّه يؤدّي مهمّة. قال: برافو عليكم أيها اللبنانيون, اصبح لديكم دولة وحكومة ومجلس نواب لأخذ القرار. قررتم الموازنة بعد طول سنين, وقررتم برنامجاً طويل الأمد للكهرباء. هكذا تكون الدولة, وإلا بلا… الأفضل أن تأخذوا قراراً, أي قرار, سواء كان خطأً أو صواباً، وسواء كان جدياً أو نفاقاً, من أن لا تأخذوا القرار أبداً. على كل حال امضيتم وقتا طويلا قبل اخذ القرارين. الافضل قرار متأخر من اللاقرار.


ولكن… صمت. قفز قلبي من مكانه. تابع قائلا، ما يحدث في واشنطن واسرائيل يبعث على القلق. عندكم «حزب الله»، سلاحه يشكل خطراً على الولايات المتحدة في كل العالم. وعلى اسرائيل طبعاً كما يقول فيلتمان وكروكر أمام البرلمان الاميركي. «حزب الله» ارهابي كما صنفته الولايات المتحدة؛ وهي تفرض عليكم نزع سلاحه، كأن نزع سلاحه ينزع صفة الارهاب عنه. نزع السلاح هذا مستحيل حسب ميزان القوى الداخلي. واذا كان لدى بعضكم اصرار على ذلك فإنه يدخلكم في حرب اهلية. أما اذا تركتموه وشأنه على أراضيكم فإن أميركا واسرائيل سوف تخضعانكم لحرب خارجية. أنتم بين خيار من اثنين: الفتنة الداخلية أو الحرب الخارجية. الواحدة منهما تجر إلى الأخرى.





اياكم والتفرّق. فتذهب ريحكم.. اي تضعفون امام التحديات الخارجية والداخلية. انتم اصلاً منقسمون إلى طوائف. الطوائف موضوع فتنة داخلية دائمة، وإن متقطعة. كما ان اسرائيل مصدر حرب خارجية، وان متقطعة. ما كانت اسرائيل تجرؤ على تهديدكم المتواصل لولا انقساماتكم الداخلية. يتطلب التوحد قدراً كبيراً من التضحية بالمطالب الداخلية واعطاء الأولوية لوطنكم، على المصالح الطائفية والفردية. يتطلب التوحد قدراً كبيراً من التماسك في وجه جميع الأطراف ومطالبها. اولوية الوطن على ما عداه ضرورة في هذه الأيام. والأمر يتطلب كثيراً من الصبر والتسويات ولو على زغل.


لكن ما هو تعريف المصلحة يا ابنائي اللبنانيين؟ اميركا ترى في كل ما يحدث على البسيطة أمراً يتعلق بمصالحها. المصلحة رؤية للأمور قبل كل شيء. لدى اميركا رؤية. ربما تناقضت هذه الرؤية من داخلها كما رأيتم الفرق بين كلام فيلتمان وكلام كروكر؛ الأول يدعو للمجابهة، والثاني يدعو للتفاوض. لكن الرؤية الأميركية تدعمها القوة العسكرية الموجودة في كل مكان بشكل مكثف أحياناً (جيوش احتلال) وبشكل أقل كثافة أحياناً أخرى (قواعد ومحطات).


انظروا حولكم أيها اللبنانيون؛ تركيا غيّرت مسارها، أو زعمت ذلك كما يقول البعض، وجاءتها الهجومات الكردية (مدعومة بالموساد) من الداخل ومن جوار الداخل. ايران غيرت مسارها منذ زمن طويل ثم كبّرت رأسها فنزلت عليها العقوبات. السعودية خلقوا لها مشكلة اليمن. الصومال دون دولة. مصر خلقوا لها قضية السودان بما فيه الجنوب ودارفور والبجاية في الشرق، النوبة في الشمال؛ وذلك قبل أن تغير مصر مسارها. ليبيا لا تنطبق عليها المعايير المعتادة، لكن دولة أوروبية تهيء لشن حملة عسكرية من أجل انقاذ بعض المساجين (الرهائن؟). الجزائر خاضت حرباً أهلية دموية، وما زالت تعاني. الحدود البرية بين المغرب والجزائر مغلقة منذ ثلاثين عاماً دون سبب مقنع. والتفجيرات في المغرب ما زالت تتوالى؛ البوليساريو الذين لا يزيد عدد سكانهم على ماية وعشرين الف نسمة ما زالوا يشكلون مشكلة دولية للمغرب. تونس مستقرة بسبب القبضة الحديدية. سوريا مستقرة بسبب التوازنات المحيطة. بلدكم لبنان ليس فيه استقرار ولا عدم استقرار. تفرحون بافتتاح الفنادق والمطاعم الفخمة.


غص ابو ملحم. نزلت الدموع من عينيه تابع قائلاً: لديكم عدد كبير من الفلسطينيين لا تستطيعون انسانياً ابقاءهم على ما هم عليه في المخيمات وخارجها. هم محرومون من كل مقوّمات العيش الانساني. تحتجون بحق العودة وتعرفون أن العودة غير متاحة الا بقبول اسرائيل. في الأمر استحالة. تهربون من نقاش الحقوق المدنية للفلسطينيين الى مناقشة مسألة الغاز في البحر. سمك في بحره، كما يقول الصيادون. تتابعون النقاش فيما لا تستطيعون حله. وتمتنعون عن النقاش فيما تستطيعون فعله. التوطين ليس مسألة تتعلق بكم بل بالتسوية في المنطقة؛ هذا اذا حصلت. والغاز في البحر وهم؛ اذا تحول الى واقع فإنّه سيخضع للسياسات الدولية والشركات الكبرى العابرة للقارات. لا تستطيع الولايات المتحدة بجبروتها، وبكل ما اوتيت من قوة، أن تواجه شركة نفطية لوثت خليج المكسيك برمته، بما فيه كل الولايات الجنوبية المحاذية له.


ماذا اصابكم ايها اللبنانيون؟ انجزتم الانتخابات النيابية في يوم واحد لكنكم وعدتم بعد عام بإجراء الانتخابات البلدية لكل محافظة على حدة اسبوعاً بعد اسبوع. تشرذم البلد طائفياً في الاولى، وتشرذم عائلياً وعشائرياً في الثانية، بينما وقف نظامكم عاجزاً عن تطوير قانون الانتخابات. أما قضية المعلمين الثانويين فهي تستعصي على الحل علماً بأنها لا تكلف أكثر من عشرات ملايين الدولارات سنوياً. في حين انكم تتباهون بوضع لبنان المالي، ومناعته ضد الازمات التي نزلت بكل العالم الآخر، وتتباهون بضمانة الودائع في المصارف، ومتانة وضع المصرف المركزي، على الرغم من ضخامة الدين العام. أما عدتم تعتبرون قطاع التعليم منتجاً ويستحق الاعتبار؟ أم أن الانتاج بجميع أنواعه، بما فيه الزراعة والصناعة، لم يعد مهماً لديكم؟


وتساءل أبو ملحم: من أين يأتي فقراؤكم بالمال لتسديد بدلات الاشتراك في هواتف الخليوي. الكل يحمل هاتفاً نقالاً. التسلية صارت مكلفة. احتكرت فضائية بث ألعاب كأس العالم. فهرع اللبنانيون الى مختلف الوسائل الشرعية وغير الشرعية واستخدموا كل التقنيات المتاحة كي يستطيعوا مشاهدة المونديال. ربما كانت هي التسلية الوحيدة البريئة في لبنان. لم يعد لديكم أيها اللبنانيون ما هو بريء في بلدكم. جميعكم تتواطأون على أنفسكم وعلى بلدكم وعلى مصيركم.


فجأة تصاعد أبو ملحم إلى حيث أتى. استيقظت وأنا مصاب بالاحباط. لا شيء يبعث على الأمل الا أنه صار لدينا موازنة لسنة واحدة. وصارت لدينا خطة للكهرباء.


نعيش على الأمل ولا نفعل شيئاً لتحقيقه. هذه هي حقيقة وجودنا. هل نستطيع الاستمرار كذلك؟ ربما كان في كلام أبي ملحم ما يفيد.