//Put this in the section //Vbout Automation

هوامش – طلال سلمان – السفير

أوراق مطوية عن رحلة طارئة إلى قمة ما بعد الحرب!
غدا، السبت، ستحاول الجامعة الاميركية في بيروت أن تعوض النقص في الوفاء عند الطبقة العربية الحاكمة عبر تكريمها ثلاثة من الكبار الذين أعطونا كثيرا وبخلنا عليهم بما يستحقون من التقدير.. الرسمي، وهم: المرجع المحترم في القضية الفلسطينية ومؤرخها الأمين وليد الخالدي، والصحافي الفرنسي الكبير اريك رولو، وهو أفضل من عرض الحال العربية للعقل الغربي بأمانة نادرة، والفنان المبدع دريد لحام الذي أضحكنا من أنفسنا حتى أبكانا.

هذه نتف من ذكريات مع اريك رولو «الزميل» الذي ولد في القاهرة، مصريا، ثم انتقل إلى باريس لمتابعة دراساته العليا فشدته الصحافة إلى رحاب دنياها، عبر جريدة «لوموند» المعروفة برصانتها، ومن خلال منبرها استطاع ان يقدم عرضاً أمينا للتحولات الخطيرة التي شهدتها منطقتنا العربية بين أواسط الخمسينيات ونهاية السبعينيات عبر المراحل المختلفة للصراع العربي ـ الاسرائيلي.

كانت أولى المشكلات التي واجهت اريك رولو وهو يجول بين الطموحات والهموم، الانتصارات والانتكاسات التي كانت تجعل «الشارع» طرفا فاعلاً في الحياة السياسية العربية، ان بعض منافسيه قد اختار ان يحاربه بيهوديته. ربما لهذا فهو لم يجهد لاخفائها او لادعاء التنكر لانتمائه الديني، لكنه فرض على الجميع ضالتعامل معه على قاعدة امانته المهنية، والتزامه او عدم التزامه الموضوعية في عرضه القضايا العربية، وبالذات ما يتصل منها بقضية فلسطين والحرب الاسرائيلية المفتوحة عليها… فضلاً عن انه كان «علمانيا»، ويعمل في صحيفة شعارها الدقة والأمانة في خدمة قارئها، وبهذا اكتسبت سمعتها العالمية، وحظيت باحترام عربي واسع، برغم انها ظلت في موقفها الأخير «غربية» ومحكومة بعقدة «الهولوكوست» والنظر إلى اسرائيل على انها «دولة ديموقراطية» تنتمي إلى الغرب في هويتها وفي دورها، وبالتالي يسهل الافتراض ان موقف العرب منها هو امتداد لموقفهم من الغرب الاستعماري، وليس لحقيقة كونها كياناً عنصرياً زرع في أرضهم بالقوة المسلحة وعلى حساب الشعب الفلسطيني.

استطاع اريك رولو ان يتخطى هذه الاشكالات جميعا في تعامله مع القيادات العربية، بدءا بمصر جمال عبد الناصر والثورة ذات الهوية القومية، وصولاً إلى القضية الفلسطينية بتطوراتها السياسية المختلفة، عشية قيام منظمة التحرير الوطني الفلسطيني (احمد الشقيري) ثم تفجر المقاومة بقيادة فتح (ياسر عرفات ورفاقه)، وحركة القوميين العرب التي أخذتها قيادتها الفلسطينية الى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (الدكتور جورج حبش ورفاقه).

التقينا في بيروت عشية الحروب الأهلية اللبنانية مراراً، والتقينا في عمان غير مرة قبيل الحرب الأهلية الفلسطينية ـ الأردنية وبعدها (أيلول الأسود)، اما في القاهرة فتعددت اللقاءات في النصف الثاني من الستينيات، ثم بعد رحيل جمال عبد الناصر وانقلاب السادات على الثورة التي جاءت به وريثا للسلطة، ورصدنا كل من موقعه التحولات الخطيرة التي وأدت النتائج المبشرة بتاريخ جديد للمنطقة بعد حرب تشرين ـ رمضان (1973).

زرته في مكتبه في «لوموند» بباريس غير مرة، وجاء الينا في «السفير» مراراً، وأمضينا ساعات طوالاً في نقاش مفتوح في عواصم عربية كثيرة. لم ينقطع الا بعدما أخذه الرئيس الفرنسي ميتران من الصحافة إلى مهمات دبلوماسية دقيقة في تونس ثم في تركيا.

اما في القاهرة فلقد اسعدتني المشاركة معه في لقاءات تجاوزت اليوميات السياسية الى الآفاق الفكرية للعمل الوطني العربي، كان معظمها في «الاهرام» التي كان محمد حسنين هيكل قد حوّلها إلى دار ندوة مفتوحة للآراء والاجتهادات، او في «الطليعة» التي كان عهد برئاسة تحريرها الى لطفي الخولي فصيّرها منبراً للتفكير بكيفية التغيير، او في دار الهلال التي كان احمد بهاء الدين قد نفض عنها الغبار وأحيا منشوراتها المتعددة الاهتمامات (المصور، الهلال، كتاب الهلال، حوار، وبعض مجلات الأطفال)… وكنا جميعا نعتبر «بهاء» الضمير، وكنا نذهب اليه بقلقنا فلا يطمئننا ولكنه يفتح الأفق بالتحليل الدقيق.

كان الجميع يتعامل مع اريك رولو كشريك في الرأي، وكصاحب تصور مستقل لكنه مفتوح على حقائق المنطقة التي اقترب منها فعرفها من داخلها، وبات من حقه ان يقول كلمة في التطورات والتحولات المتعاقبة.

على هامش تلك التطورات، سأروي من باب الطرافة وللتندر فحسب، واقعة جرت وكنا شهوداً عليها: اريك رولو، فؤاد مطر، ديفيد هيرست، وانا.

تلاقينا مصادفة في مطار بيروت. كنا في طريقنا لحضور القمة الأولى لدول الصمود والتصدي في بداية كانون الأول من العام 1977، وهي «الهجمة» التي أراد بها معارضو أنور السادات الرد على مبادرته ـ الخطيئة بزيارة القدس المحتلة وإلقاء خطابه الشهير امام الكنيست الاسرائيلي عارضاً فيه الصلح المنفرد بوهم ان الصراع قد انتهى وجاء زمن السلام.

فوجئنا ونحن نهم بركوب الطائرة المتجهة إلى روما بالدكتور جورج حبش ومعه بعض رفاقه، يصعدون معنا وكأنهم ركاب عاديون، في حين كنا نعرف جميعا ان اسرائيل تريد رأس «الحكيم» بأي ثمن. سألناه فقال ان الليبيين أعدوا ترتيبا خاصاً، بحيث ينتقل مباشرة في مطار روما من الطائرة اللبنانية إلى الليبية التي ستكون على وشك الإقلاع! ولأننا نعرف ما يكفي عن «الدقة الليبية» فقد أصابنا شيء من الرعب!

بعدما فرغنا من امتداح هذا «الترتيب»، وجلسنا نناقش ما يمكن ان تنجزه القمة العتيدة، وكان «الحكيم» كعادته عظيم التفاؤل.

وصلنا روما، فإذا الطائرة الليبية في المطار فعلاً، وعلى وشك الإقلاع. وجاء مدير الخطوط فاصطحبنا اليها: كانت مقاعدها جميعا مشغولة، ولم يقبل أي راكب ان يتنازل عن مقعده! بل ان بعضهم قد حلف بالطلاق انه لن ينزل، وهذا يحسم أي تفاوض!

عدنا أدراجنا إلى صالات الانتظار في مطار روما يضغط علينا قلق عظيم على «الحكيم»… ومنه! وبادرنا فؤاد مطر وأنا إلى الهاتف، نحاول ـ باللهفة والخوف ـ ان نقنع «القيادة» بإرسال طائرة خاصة، فوراً، لكي تنقذ الدكتور جورج حبش من خطر أكيد.

بعد دقائق، جاء مدير الخطوط مستبشراً: لقد نجح في إقناع راكب بالتخلي عن مقعده «للحكيم» فودعنا وسعى إلى طائرته، بينما دعينا إلى فندق قريب في انتظار رحلة تالية.

هبط الليل، وجلسنا إلى مائدة عشاء سريع. وبينا نحن نتندر بما جرى، جاء مدير الخطوط يهمس في أذني: وصلت الطائرة الخاصة، وهي تتسع لثمانية ركاب. انتم أربعة، ولك ان تختار ثلاثة آخرين، فتتسللوا بهدوء إلى الخارج حيث أنتظركم لآخذكم دون ان ينتبه الآخرون! والا فستتفجر الأزمات!

أبلغت «الرفاق»… فتسللنا، واحدا واحداً، بعدما اخترنا اثنين فقط من «السياسيين»، وركبنا عائدين إلى المطار، وهناك طلب الينا ـ كما هي العادة ـ ان نعطي تذاكرنا تمهيداً للصعود إلى الطائرة. أعطى كل تذكرته، أما اريك رولو فقد رفض. قال: هذه طائرة خاصة، أرسلها إلينا العقيد القذافي. وبالتالي فليس شرطاً ان نسلم التذاكر!

أصر الموظف على أخذ التذاكر جميعا، والا فلا سفر.. واستمر رولو على عناده، وصار الموقف محرجاً، خصوصاً ان بعض رفاق الرحلة تنبهوا إلى «اختفائنا» فأرسلوا من «يستطلع» الأمر… وكان لا بد من تدخل شبه عسكري، أجبرنا معه زميلنا الكبير على تسليم تذكرته ـ الهدية، والا شهرنا بأصوله!

اما في تلك القمة التي عقدت على عجل فقد شهدنا العجب العجاب: البعض، كمندوب صدام حسين كان يريد الذهاب فوراً إلى الحرب… على مصر! والبعض يريد التروي «في انتظار ان نرى ما سوف يحصل في مصر»، وبعض ثالث يخشى ان تؤثر القطيعة مع مصر على مطلب منظمة التحرير بدولة فلسطينية! وخلافات بعضها شخصي، وبعضها سياسي، وكلام كثير! وكان عرفات اعظم الموجودين حرجاً، وكانت المزايدة الشقيق التوأم للمناقصة!

قال اريك رولو: انتبهوا إلى موقف عرفات. انه لا يريد ان يقطع مع مصر. ان هو قطع صار أسيرا عند حافظ الأسد.. والأسد هو الضحية الأولى لهذا الاختراق الاسرائيلي الخطير! الجزائري صادق في اعتراضه، لكنه بعيد. قضي الأمر، لم تعد الحرب احتمالاً جدياً في أفق المنطقة! الآن كسبت اسرائيل حرب 1973.

في الاستراحة بين اجتماعين كان الناطق الرسمي باسم واحد من الحكام العرب يدور باحثاً عن صحافي ارتكب جريمة كشف الأسرار لانه نشر بعض وقائع الحوار الهزلي حول قيادة الحرب التي لن تكون!

/حكاية/انت وطني.. ولست وطنك!
الزقاق ضيق، مزدحم بأسرار البيوت المتداخلة بهمومها وأنسابها وخلافاتها، وعبر الشبابيك نصف المغلقة تطل عيون الفضول التي تقرأ نوايا الصبايا من خلال خطواتهن وهن خارجات إلى الشارع العريض المزدحم بالسيارات والمشاة وعربات الفواكه والخضار والمتسكعين والمتسوقين والمؤمنين من قاصدي المسجد الكبير.

كان يقف بسيارته بعيدا، بما يكفي لكي تضيع عنها عيون من يعرفها، فلا تسجل صعودها المتعجل من الباب المفتوح وهي تهمس: هيا انطلق! قبل ان تلتفت إلى الخلف، ثم إلى الرصيف الى يمينها لتستوثق من أن أحداً من معارفها لم يلمحها وهي تنجز مغامرة الانطلاق في نزهة عشق تموهها الزمالة في العمل.

قال بينما هو يندفع مبتعداً تحت وقع كلماتها اللاهثة: أكره هذا الحي المغلق بالتعصب والحشرية ومعاداة الخصوصية! الخروج منه حياة، والدخول إليه موت! تركها تنفث همومها مكتفيا بهزات من رأسه يؤمّن بها على كلامها وقد ارتسم طيف ابتسامة على شفتيه، حتى إذا ما تجاوز بسيارته حدود الخطر، التفت اليها يسألها: الى مقهانا في الجبل، أم إلى المطعم في فندق البحر؟!

هزت كتفيها، وألقت نظرة أخيرة إلى الخلف، كأنما لتطمئن إلى ان أحداً لا يلحق بها، ثم استرخت في مقعدها قبل ان تهمس: إلى حيث يمكنني ان أغني لك. أريد ان أغني. تلك لغتي في حالة الحزن، كما في حالة الفرح… أريد أن أطلق حبي غناء يطرب له كل من يسمعه فيذهب إلى حبيبه.

ترك السيارة تندفع بقوة النشوة، قبل ان يهجر الطريق الرئيسية منحرفاً نحو مقهى على مجرى ينساب هدئاً وقد أحاطت به أشجار البطم السامقة تتوسطها بعض أشجار الصفصاف في دور الفرقة الموسيقية.

اهتزت طرباً ورفعت صوتها بالغناء قبل ان يصلا إلى الطاولة التي اختارها لهما المدير وتقدمهما مبتسماً اليها.

غنت وغنت وغنت حتى بكى رفيقها، وانتحى المدير ركناً بعيداً احتراماً للخصوصية، في حين أخذ الخادم يجيء ويروح راقصاً وفي عينيه التماعة فرح بهذين الضيفين المميزين.
انتبه إلى ان النشيج بدأ يخالط الغناء، ثم سرعان ما تفجر البكاء دمعاً غزيراً.

لم يكن في المقهى الا عائلة واحدة بأطفال كثر… ولقد شد البكاء أصغر الأطفال فجاء اليها يسألها بصوت واجف: لماذا تبكين؟ هل هو يعذبك؟

احتضنته وقامت لتأخذه في نزهة قصيرة، شاغلته خلالها بالأسئلة عن عمره وعدد إخوته وأسمائهم، لكنه عاد يسألها: لماذا تبكين؟

قالت بجدية: لأنني سأسافر!

انفلت الولد عائداً إلى ذويه وهو يهتف عرفت، فهمت.. هي تبكي لأنها ستسافر!

عادت إلى طاولتها فرأت وجهه غابة من الأسئلة. قالت: سنتحدث في طريق العودة.

وكان البكاء هو الطريق… لكنه فهم انها ضاقت ذرعاً بكل ما يحيط بها: الأهل، الجيران، العمل الذي لا تحبه، الراتب التافه، مطاردات المدير، تفاهة اهتمامات الزميلات: «عجزت عن بناء صداقة مع واحدة منهن».

قالت: انا في غربة كاملة هنا. وحدك وطني.. لكنني لست وطنك. انا لا ألومك. انت تبني نفسك وتحتاج من يساعدك، وانا عاجزة، عاجزة، عاجزة..

أوقف السيارة في طريق فرعي، حاول ان يحتضنها، لكنها نفرت: سأضعف فأنهار! أرجوك، أعدني إلى الجحيم. لقد أردت هذه الرحلة وداعاً. أرجوك، لا تحاول إقناعي بتبدل قراري. لقد حسمت أمري. ربما أبدل في البعد رأيي. ربما أرجع إليك شريكة عمر. أنا الآن عبء. أقرأ تعبك في عينيك، وأقرأ عجزك عن بناء غدنا في كل تصرف. دعني أحاول. ستكون معي، وسأظل فيك.

هدأت ونظرته فإذا هو مطرق لا يريم. قالت: كانت حفلة وداعنا جميلة. أعدك بحفلة أروع بكثير عندما أعود مستقلة وحرة في قراري.

مشى بالسيارة كالمنوم… وعندما دخل المنطقة المحظورة، نزلت من السيارة بغير وداع، ثم مضت تمشي نحو مدخل الزقاق الضــيق من دون ان تلتفــت إلى الخلف. ولم يتحــرك الا عــندما جاءه شرطي ينبهه إلى انه يقف في مكان ممنوع!

مــن أقــوال نســمة

قال لي «نسمة» الذي لم تعرف له مهنة إلا الحب:

ـ ليس الحب الجنة. انه الحياة، أي ذلك الخليط الهائل من الفرح والعذاب، من الأمل والخيبة، من النجاح والفشل.

الحب صراع بينك وبينك، ومتى انتصرت على ذاتك فتح لك حبيبك أبواب الجنة.