//Put this in the section //Vbout Automation

لا إعادة ترسيم للخيارات الجنبلاطية داخلياً.. وخارجياً – نبيل هيثم – السفير

عندما دخل رئيس الحكومة سعد الحريري الى مكتب رئيس الجمهورية ميشال سليمان، في القصر الجمهوري، قبيل «التصويت الملتبس» الذي انتج «معادلة 14 ـ 14» في موضوع العقوبات الدولية ضد إيران، بادر سليمان الى سؤال الحريري «ماذا عن وليد بك جنبلاط، هل أنت تضمن فعلا أنه سيصوّت لمصلحة الامتناع».. سارع رئيس الحكومة للرد «اتكل فخامة الرئيس، على الله. لقد نال جنبلاط مراده».. وضحك الاثنان!

كل سيناريو الجلسة كان مرسوماً بدقة وكل صوت كان محسوباً بعناية شديدة، ومن راقب وزير الدفاع الياس المر، في مكتبه في ذلك النهار، وهو يحمل الورقة ويقلّبها مع السفيرة الأميركية ميشيل سيسون، وعليها احتمالات التصويت. حسم الأميركيون موقفهم: «نتمنى التصويت مع العقوبات، لكن في الحالة اللبنانية، يعتبر الامتناع إنجازاً كبيراً لنا»… وهذا ما كان في النهاية… «بفضل التصويت الجنبلاطي» يردّد الأميركيون.

نجح رئيس الجمهورية في ضوء ما جرى في إضافة أسهم جديدة إلى رصيده. مواقف باقي القوى لم تكن مفاجئة، لكن الكل سأل واستقصى عن موقف وليد جنبلاط، خاصة أنه بكّر في الإعلان عنه (في المقابلة مع الزميل مارسيل غانم)، وذلك في محاولة لفهم دوافعه الحقيقية ومن خلال ذلك، إعادة ترسيم موقع رئيس «التقدمي» ضمن اللوحة الداخلية، على خلفية امتحان التصويت في مجلس الوزراء ووقوفه خلف رئيس الحكومة وفريقه في التصويت لمصلحة الامتناع.

هل أصاب وليد جنبلاط في موقفه أم اخطأ؟ وهل التصويت في مجلس الوزراء هو بمثابة «الامتحان النهائي» الذي يمكن من خلاله الحكم على كل المسار الذي يسلكه رئيس «التقدمي»؟ هل تراجع عن «الموقع الوسطي المتمايز» الذي انتقل إليه بعد الجمعية العامة في «البوريفاج» في 2 آب 2009؟ وهل ثمة مؤشرات تدل على تخفيف «اندفاعته السورية» أم انه ما يزال ثابتاً في المسار الطبيعي الذي سلكه منذ ذلك الحين وكمله بخطوات سياسية نحو «حزب الله» ودمشق؟

هل يحق للبعض من المعارضة النظر بسلبية إلى الموقف الجنبلاطي وهل فوجئ رئيس المجلس النيابي نبيه بري و«حزب الله» ودمشق بموقفه أم أنه كان متوقعاً ومحسوباً.. وما حقيقة ما تردد أن المشهد الحاشد لوئام وهاب في جبل الدروز قبل يومين جاء بمثابة رسالة تنمّ عن الانزعاج السوري مما حصل؟

يقول «الاشتراكيون» إن وزراء «اللقاء الديموقراطي» صوتوا لمصلحة الامتناع عن التصويت، من زاوية أن هذا الخيار هو الأفضل للبنان وعلى قاعدة ان مقتضيات الوفاق الوطني توجب ذلك، فليس من مصلحتنا أبدا أن نكون مع العقوبات وليس في قدرتنا أو مصلحتنا أن نكون جزءاً من اللعبة الدولية بالتصويت ضدّ… ولذلك كان خيار الوسط (الامتناع).

ويسجل الفريق الجنبلاطي الملاحظات الآتية:

الأولى، لم يكن من الجائز تكبير المسألة برمتها، بالشكل الذي كبرت فيه، ومع الأسف دلت بعض التصرفات على مراهقة سياسية.

الثانية، وليد جنبلاط قام بما قام به في 2 آب، وهذه محطة كبيرة جداً في تاريخه، والخطوة التي قام بها آنذاك لا تعني أنه صار جزءاً من المعارضة، بل هو فقط خرج من 14 آذار. وهو في هذه الخطوة امتلك جرأة وشجاعة الاعتراف بالخطأ. ومن فعل مثله من سائر المسؤولين والقيادات فليرجمه بحجر.

الثالثة، إن ما يدعو الى الأسف هو انه بدل محاولة الاستثمار المشترك داخلياً، يأتي من يحاول تقزيم موقع جنبلاط ويتعاطى معه بطريقة مهينة، بحيث يريد أن يخضعه لامتحان يومي في نواياه وتوجهاته أو أن يصار الى توجيه موقفه في الاتجاه الذي يريده البعض، فمن قال ان هؤلاء هم الصحّ وغيرهم هم الغلط؟

الرابعة، لوليد جنبلاط حيثيته السياسية، وهو احد الشركاء الداخليين وله قراءته للامور وله موقفه واستقلاليته وحريته في تحديد خياراته في سياق المصلحة العليا المشتركة واستنادا الى تجربة السنوات الأخيرة، ومن هنا يمكن الاخذ والرد معه حول الكثير من الامور، لا ان يحكم على موقفه لمجرّد انه خالف بها ما كانت تنتظره بعض الأمزجة.

الخامسة، لقد أبلغتنا تركيا بأنها تتفهّم ظروف لبنان وتتفهم الموقف الذي يتخذه، فلماذا المزايدة علينا في موضوع تركيا ورفع شعار الوقوف خلف تركيا في التصويت، ماذا لو صوّتت تركيا مع العقوبات، هل كنا سنصوّت مع العقوبات؟

السادسة، لقد خرجنا من الحسابات الصغيرة مع سوريا وهناك فرصة لبناء علاقات لبنانية سورية سليمة بكل ما للكلمة من معنى، ونحن نتعاطى معهم بثقة متبادلة، وبأعلى درجات الجدية والمسؤولية ونناقش الأمور بالمستوى الاستراتيجي نفسه ونصل الى قواسم مشتركة.

تبقى ملاحظة أخيرة أن وليد جنبلاط عندما يُسأل عن الأمر، يجيب أن لا «حزب الله» تمنى عليه التصويت في اتجاه محدد ولا دمشق، وفي ذلك وحده عبرة بأن ما انتهت اليه جلسة مجلس الوزراء «كان مرضياً للجميع».