//Put this in the section //Vbout Automation

لبنان وسوريا أمام لحظة الحقيقة – طلال سلمان – السفير

ليست سوريا «حزباً» في لبنان، ولا يجوز أن تكون. هي «أقوى» من ذلك، و«أكبر» من أن يحتكرها طرف أو مجموعة أطراف بينما تذهب أطراف أخرى إلى مخاصمتها والتورط في شن «الحرب» عليها فإذا الحرب على لبنان وفيه.

التاريخ ليس صفحات من الماضي مطوية في الكتب العتيقة، والجغرافيا ليست مجرد تضاريس في الأرض مشكلة الجبال والسهول ومواقع المدن على الأنهار.

للتاريخ منطقه وللجغرافيا حتمياتها… فكيف إذا ما جرى تحريف التاريخ وتزوير الجغرافيا لابتداع عداوات ومخاصمات ونزاعات على «الحدود» التي طالما تجاوز الأهل على جانبيها «الحواجز» التي لم يعرفها الآباء أو الجدود؟

لا تفيد العودة إلى الماضي ومن أنشأ «دول» المشرق، وبأي منطق ولأية أغراض تعنيه بمعزل عن حقائق التاريخ والجغرافيا وشبكة العلاقات الإنسانية بين «الأهالي» الذين ابتدعت لهم «هويات» لم تكن لهم، ولعلهم لم يقبلوها إلا بعد حين وبقوة الأمر الواقع.

لن نعود، مجدداً، إلى من وكيف ولماذا تمّ تعظيم «الطوائف» بحيث كادت تصبح «قوميات» و«أمماً» محتربة، بهويات مبتدعة… لكن ذلك كله قد أشاع مناخاً مرضياً وأقام موانع نفسية أمام تعزيز العلاقات الطبيعية بالمصالح وبتنسيق المواقف السياسية بحيث لا يقع «تعارض» يمكن استغلاله من أجل تقطيع روابط الأخوة وتغليب المنافسة التي سرعان ما تتحول إلى مناكفة فإلى عداء.

لقد آن الأوان لإعادة الروح إلى العلاقات الطبيعية بين هذين البلدين المتكاملين… وإذا كان السعي إلى «التمييز» قد أوقعنا في «النقصان» في مستوى العلاقات وفي فوائدها، فلا بد من التحرر من مرارة التجارب بما فيها من خيبات أمل وانتكاسات أوصلت إلى «قطيعة» قبل أن تجرفها الأخطاء إلى ما يقارب «الحرب» سيما وقد سالت دماء كثيرة، ووجهت الريب وأغراض الخارج وتناقضات الداخل، مسار الاتهامات في المسؤولية عنها.

تقف «الدولتان» ذات السيادة الآن في مواجهة المسؤولية عن تصحيح وجوه الخلل بالقرارات الشجاعة المتخففة من أثقال تجارب الماضي التي يتقاسمون المسؤولية عنها، كل بوزنه وقدرته على التأثير.

لقد كان الطرفان شركاء في كل ما كان، بحسناته وسيئاته، وإذا كان بديهياً أن يفترض «الأصغر» و«الأضعف» أن على «الأكبر» و«الأقوى» أن يتحمّل ـ لأنه يستطيع ـ نصيباً أكبر من المسؤولية فإن ذلك لا يبرئه ولا يتيح له أن يمضي في تطهره إلى حد ادعاء طهارة اليد والغرض باسم «الاستقلال» وتحت راية «لبنان أولاً» وسائر شعارات الفتنة التي استورد معظمها جاهزاً من أنحاء شتى بعيدة… حتى أوكرانيا!

آن أن تُحرّر هذه العلاقات الحيوية للبلدين الشقيقين من الأوهام جميعاً، أوهام الانفصال المطلق إلى حد العداء وأوهام الاندماج إلى حد التوحد… أوهام القدرة على المخاصمة التي تشق اللبنانيين وتكاد تجعلهم «أمماً شتى» لا هوية لها ولا كيان، أو أوهام تجاهل ترسبات فترة «الحرب» المنظمة والمموّلة والمسيّرة من الخارج باستغلال مشاعر الحزن التي تحولت إلى أغراض ومصالح لقوى لا يمكن أن تكون أحرص على لبنان من سوريا، ولأسباب موضوعية يتداخل فيها السياسي والاقتصادي والأمني مع روابط الحسب والنسب، قبل الحديث عن المصير الواحد، وهو حتمي، بغض النظر عن الرغبات.

إنها لحظة الحقيقة أمام المسؤولين في البلدين.
ولن يغفر التاريخ لمن يضيّعها، وبغض النظر عن التبريرات، وذرائع اختلاف الأمزجة وتنافر الطبائع… فالكل من العجينة ذاتها، والمصالح هي الأقوى دائماً، فكيف إذا ما استندت إلى التاريخ والجغرافيا… بغير أن ننسى العدو المشترك، إسرائيل، والقضية الواحدة التي تجمع إلينا شعوباً كنا نحسبها بعيدة جداً إلى حد المخاصمة مثل تركيا.
هل آن أن يحكم العقل هذه العلاقات التي يعطلها تغلب الغرائز أو المصالح أو أغراض الغير، فيصاب بالضرر الأخوان التوأمان؟!