//Put this in the section //Vbout Automation

خـلل سـياسي وتنظيمـي وراء نكسـة «المسـتقبل» – عماد مرمل – السفير

شكلت نتائج الانتخابات البلدية في محطتي البقاع والشمال نكسة حقيقية لـ«تيار المستقبل» بفعل خسارته عدداً كبيراً من المجالس البلدية في مناطق كانت تُصنف بأنها معاقل له، عدا أن نسبة الاقتراع المتواضعة لمصلحة لائحتيه في بيروت وطرابلس، انطوت بدورها على رسالة معبرة.


ولئن كان بعض رموز التيار يحاولون في العلن التخفيف من الوقع الثقيل لهذه الحصيلة ودلالاتها السياسية والشعبية، إلا أن المعلومات تفيد بأن نقاشا بدأ داخل التيار حول اسباب ما حصل وان الرئيس سعد الحريري يدرس بعمق المؤشرات التي أفرزتها صناديق الاقتراع، سعيا الى تحديد مكامن الخلل وسبل معالجتها.





ولا تخفي شخصية قيادية في «المستقبل» الحاجة الملحة الى مراجعة نقدية وصريحة لأداء التيار خلال المرحلة السابقة، وتحديدا منذ 7 أيار وحتى اليوم، وصولا الى إجراء نوع من إعادة هيكلة تنظيمية وسياسية، لافتة الانتباه الى أن المكابرة لم تعد تنفع وسياسة النعامة لن تؤدي سوى الى مزيد من الخيبات والخسائر.


وتحت سقف هذه المراجعة، هناك في «المستقبل» من باشر فعلا في ممارسة النقد الذاتي، مقدما روايته لما جرى، وفق الفصول الآتية:


«بعد أحداث 7 أيار، اضطر سعد الحريري الى اتخاذ مجموعة قرارات غير شعبية، فرضتها مقتضيات التسوية في أعقاب اتفاق الدوحة، وقادته الى تجميد العمل بمفاعيل الانتصار الذي تحقق في الانتخابات النيابية والمشاركة في حكومة الوحدة الوطنية على أساس توازن سياسي أعطى المعارضة امتيازات لم تحصل عليها في الانتخابات. هنا، شعر الشارع السني بأن الاعتبار الذي فقده في 7 أيار لم يُسترد، وبدا أن «تيار المستقبل» لم يبذل الجهد الكافي لتفسير الضرورات التي أوجبت تقديم بعض التنازلات على حسابه».


«في مرحلة لاحقة، ومع بلوغ التحولات ذروتها بعد التفاهم السوري – السعودي وزيارة الحريري الأولى الى دمشق، أحس الشارع السني هذه المرة بأن «المستقبل» لم يخاطب عقله كفاية ولم يشرح له حيثيات هذه القفزة من ضفة العداوة الى ضفة الصداقة، بما يتيح له مواكبة الواقع الجديد وفهمه، بعد أربع سنوات من السباحة في نهر الكراهية لسوريا، بل ان بعض رموز التيار ساهموا في التشويش على القاعدة بسبب الشغب السياسي والإعلامي الذي مارسوه حيال المصالحة بين دمشق والحريري، قبل أن يضطر الأخير إلى استخدام صلاحياته وتذكير المشاغبين بأنه صاحب القرار».


«والمعلوم أنه قبل تطبيع العلاقة مع سوريا، كان جمهور سني وازن يقطع طريق بيروت – دمشق بالإطارات المشتعلة تحت وطأة التعبئة المنظمة التي أقنعته بأن دمشق هي المسؤولة عن جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري. لكن فجأة انقلب المشهد رأسا على عقب، وأصبح هذا الجمهور ذاته يشاهد مواكب سعد الحريري وأشرف ريفي ووسام الحسن تسلك هذه الطريق بوتيرة مكثفة، فيما سُحب من التداول الاتهام السياسي والجنائي لسوريا بقتل رفيق الحريري، لتحل مكانه علاقة دافئة بين الاسد والحريري الابن».


«لم يتوقف المشهد الدراماتيكي عند حد إعادة إحياء تقاليد الماضي، بل إنه أعاد الاعتبار الى حلفاء دمشق الذين كان قد تم تكفيرهم سياسيا وتأليب الشارع السني عليهم بتهمة ولائهم لخيار العلاقات مع سوريا. وأمام هذا الخلط للأوراق، وجد الناخب السني نفسه يميل تلقائيا نحو حفظ أمنه الذاتي وحماية مصالحه المباشرة من خلال التصويت في الانتخابات البلدية للوائح المدعومة من حلفاء سوريا «الاصليين» أو «الثابتين» والذين لم يعد بالإمكان تخوينهم، بعدما منحهم سلوك رئيس تيار المستقبل براءة ذمة، موحيا بأن خيارهم كان هو الأصح على المستوى الاستراتيجي».


«ومن الواضح أن اتهام سوريا باغتيال الحريري قد أنتج عصبية عند جمهور «تيار المستقبل» طيلة السنوات الاربع التي تلت استشهاده، الى حد أن جاذبية التيار بُنيت على هذه الرابطة العاطفية. أما وقد تمت تبرئة دمشق بشكل أو بآخر، ولم يعد هذا الملف يصلح كمادة للتعبئة، فإن الجمهور وجد نفسه في مرحلة انعدام وزن، مفتقرا الى بديل متماسك يملأ الفراغ، فبدأ التسرب الشعبي في اتجاهات أخرى».


والى جانب هذه العوامل السياسية المؤثرة، يدعو المتحمسون لـ«النقد الذاتي» الى التوقف أيضا عند الخلل التنظيمي المتراكم الذي قاد تدريجيا نحو توسيع الهوة بين المستوى القيادي في تيار المستقبل والقاعدة الشعبية في أكثر من مكان. ويقول هؤلاء ان هناك شكوى متنامية في أوساط جمهور «المستقبل» من الفوقية التي تطبع سلوك بعض القيادات والكوادر ومن شبكة المصالح الخاصة التي نمت على ضفاف التيار بفعل سوء استخدام الأموال والخدمات التي لم تكن تصل في أوقات كثيرة الى المكان المناسب والأشخاص المناسبين، حتى قيل إن هذا الواقع أفرز طبقة من المنتفعين الذين تحولوا الى عبء على «المستقبل».


وينبه دعاة المكاشفة والمصارحة الى وجود مسؤولين بارزين داخل التنظيم أخطأوا في التصرف مع الجمهور الذي بات جزء منه يشعر بالنفور والامتعاض، لافتين الانتباه الى ان هناك «طبقة وسيطة» بين سعد الحريري وجمهور «المستقبل» تحول دون إطلاعه باستمرار على الصورة الصحيحة.


ويبدو أن الكيل قد طفح مؤخرا على خلفية سلوك بعض المحيطين بالحريري ممن استلموا مواقع متقدمة في إدارة الملف الانتخابي ولكنهم لم يوفقوا في مهامهم وارتكبوا أخطاء من حيث الشكل والمضمون، ما أفضى الى تفاقم الأزمة التي تجلت بالاصوات الاعتراضية في صناديق الاقتراع، بعدما رفض المعنيون ان ينصتوا لها.


ويخلص أصحاب هذه القراءة في أحوال «المستقبل»، من داخله، الى انه لا يجوز التعامل مع القاعدة الشعبية وكأنها شريحة من حاملي البطاقات الحزبية، ذلك أن الأساس يبقى الجمهور الاوسع الذي يحمل بطاقة محبة رفيق الحريري ولا يمكن فرض أنماط معلبة أو فوقية عليه، وبالتالي فإن المطلوب من سعد الحريري ان يحمي وجدان هذا الجمهور وان يُحسن التقاط نبضه، مع ما يتطلبه ذلك من تجديد في الخطاب وأدوات العمل.