//Put this in the section //Vbout Automation

التواضـــــــــع – المطران جورج خضر – النهار

ما همّني لو اسمي / امّحى من مهجة الأرض
ما همّني لو سارت الدنيا / إياي ناسية
حنان عاد

كيف أُعرّف التواضع وهو حسنة لا تعرف ذاتها. هي لا تتكلم إذًا. ليس لها أنا. وجودها يقول ويضع في النفوس عوالم. تبكي لأنها مجروحة إذ تُقيم في المظلومية. لا تعترف لنفسها بالبهاء. هي ثملة بالجمال الإلهي الذي يُخفيها فيه. تراه وحده ولا ترى نفسها فيه لأنها باتت كمريم نسيًا منسيًا. الخفاء سكنها. لم يمحقها أحد. لا يستطيع.





يدخل الناس إلى الله من بوابتها. مأخوذة هي بهم جميعًا. تراهم قامات من نور ولا تعي أنها تعكسهم. يعبرون بها، لا تستوقفهم، واذا وقفوا يؤخذون إلى جلالها. اذ ذاك يعرفهم ربهم ويحسبهم أنهم اليه. ينقلهم إلى المجد لأنهم مرّوا بقربها وأدركوا المذهل وسكنوا شعره وعزفوا على قيثارته متى غارت منهم الملائكة وسكتوا. هل صعدوا إلى السماء أم هي نزلت؟

هذه الحسناء في فضائل ربك جعلها الرحمن عرشا له وعليها استوى. كل ما في دنياك ليس بشيء إن لم تتلألأ له وجها اختاره الرب لسطوعه. التجلّي أساسيّ اذا العلم اختفى.

التجلّي يصبح النطق أو لغة بين مجد ومجد. الذين عندهم هذه اللغة يسكنون الدهر الآتي الذي يدين فيه الله المستكبرين الذين حسبوا أنهم آلهة فماتوا اذ لم يعرفوا أن الرب هو الإله وأنه كان عليهم أن يفهموا أنهم نسيٌ.


كتب مرة أمير في البلقان إلى ولي عهده: "لا تشته أن تصبح كاهنا أو رئيس دير أو أميراً (وكان سيخلف أباه على الإمارة) لأن كل هذا من مجد العالم". خلافه طبعاً مجد الله إن ابتغيته تشاركه. ولا شيء يجمع بين هذا وذاك لأنك إما أن تأتي من السماء فتسوس بها الأرض وإما أن تأتي من الأرض فتموت بها. أهل السماء يُدفنون فيها ولكنهم ليسوا منها. إنهم لقد صعدوا.


"مجّدني يا أبت بالمجد الذي كان لي عندك قبل إنشاء العالم". عندما قالها يسوع كان في طريقه إلى موته الظالم. المظلومية شرط التواضع. الناس قهّارون للناس. القلة التي تقبل المقهورية تحبّ قاهريها. واذا وقع عليهم استرحام المقهورين قد يدخلهم الفهم فيستغفرون. ولا نصل إلى عالم الفهم ما لم يحبّنا أحد. ولا يحبّ إلا من توارى. المتواري وحده يعترف بالآخر. يعترف بأن الآخر، كل آخر، أفضل منه. هذا شرط انتشار التواضع. هذا شرط لإثبات ملكوت الله.


• • •


عندما تقول مريم: "حَطّ المقتدرين عن الكراسي ورفع المتواضعين"، كانت تشير إلى عظماء الأرض الذين رأتهم يستعظمون بأشيائهم. والملك ليس كيانا. أما اذا رفع الله المتواضعين فيُمتّعهم بكبر منه أي بما هو غير مخلوق، وحسب كتابنا يجعلهم آلهة وهو يدري وهم لا يدرون. وفي هذا يتألهون.


ليس عند من رفع نفسه قدرة لبلوغ الله لأن الله لا يحب المنتفخين فيتفجرون من تضخمهم. اما الذين جعلوا أنفسهم على مستوى التراب فيرفعهم ربهم لينحتهم نحتاً جديداً ويستطيبهم هو ولا يستطيبون أنفسهم اذ جوهر حُسْنهم ألا يعرفوا أن لهم حُسنا. عن هذا يقول باسيليوس: "لم نصنع شيئاً صالحاً على الأرض". هذا صدى لقول المخلّص: "لا صالح الا الله وحده". لذلك نبقى في جهل حسناتنا حتى ذلك اليوم الذي "يدين فيه اللهُ سرائر الناس”. واذا أعلن الله آنذاك برّ الأبرار فهؤلاء ينسبون برّهم إلى الله ولا يتمجّدون بأنفسهم.


كل القضية أن تعرف الله واهبا واحدا احدا، وأن تتخشّع له بسبب هذه المعرفة وتكون من الشاكرين. التواضع هو اعترافك بمركزية الله اي بأحديته في تقديسك. والقداسة فيك هي في اعترافك بأنك خاطئ. هذا بدء اتّكالك على الله الذي هو التماس لعطائه.


كلّ ما قلناه هنا لا يلغي كلمة سقراط: "اعرف نفسك"، اذ يجب أن تعلم قدراتك لكي تعمل وتعاشر الناس وتُقيم معهم اتصالا. لا ينحصر هذا في قدرتك العقلية وتأهّلك لهذا النشاط أو ذاك. الحياة المدنية تتطلب أهلية وعلوما وخبرات. والإنسان يجب أن يقدر المواهب التي فيه فلا يتنطّح إلى ما ليس هو معدّا له ويلتزم المجتمع الذي هو عضو فيه وله رؤيته السياسية وربما العمل السياسيّ. وفي هذا لا يجوز أن يستصغر نفسه وأن يهمل تنمية مواهبه، وليس في هذا استكبار.


أين تدخل مزيّة التواضع في وعي الإنسان مواهبه العلمية والمهنية؟ يمكن أن يكون أحد الناس كبيرا في عقله الأكاديمي أو الاحترافي ويعي بآن أن الرب عونه في هذا، وإن أدرك جهاده الطويل يبقى عليه أن يشكر لله هذه المواهب الطبيعية أو المهنية. نحن نعلم أن الشائع عند العلماء محبتهم للحقيقة وقبول بعضهم لبعض اذا اختلفوا على الصعيد النظري وعبّر عن هذا القرآن بقوله: "إنما يخشى الله من عباده العلماء" (فاطر، 28).


لك أن تكون لامعا جدا وفقيرا إلى الله معا. الذي يُنكر مواهبه وقدرته العقلية أو العملية يتجاهل عطاء الله اليه. أن تدّعي العلم الذي عندك أو تدّعي جهلا ليس فيك تمسكُن أقرب ما يكون إلى الكبرياء.


• • •


التواضع يحسّ به الناس توا ومباشرة. ولكن لا يبتغي أن نفهم أن المرء المتواضع يُسلّم لك بكل ما تقول أو لا ينافسك أو لا يجادلك. يمكن أن يكون إنسان مواجهةٍ ونضالٍ حتى المخاصمة الفكرية ولكن يحبّه الآخرون لرؤيتهم صدقه وإخلاصه للحقيقة.


الامحاء لله لا يعني امحاء فكرك أمام إنسان آخر أفي الوضع المجتمعيّ كان هذا أم في الحياة الشخصية. جمال الانسان المتواضع أنه يقبل الحق من أية جهة أتى. لا فارق في هذا أن يكون من تُواجه حادّا وأن تكون قناعاته مخالفة لقناعاتك لأن المتواضع يرى أن الحقيقة اذا أتت منك تكون رسالة اليه نازلة إلى خصمه أحيانًا من الله. في هذا وجب القول إن المتواضع لكونه يستلهم الله لا ينحاز في خياراته وليس عنده جعبة أفكار معلّبة. هو لا يحيا بما جمعه من ذاكرته أو من أصحابه. من هذه الزاوية هو إنسان دائما جديد أو متجدد. يأتيك من الفجر وينصب عليك من الضوء الذي استنار به ويُحررك من التفه ويحفزك على ألا تنتفخ لأنه يكره الترّهات. يُذكّرك أن خلاصك يأتيك مما هو صحيح لتُقيم فيه على البركات. التواضع يمحو عن الانسان كل خطيئاته.


من عادى التبجّح والادّعاء يمدّ بالسلامة كل من صادق ومن مال إلى السكينة، والله يقيم في السكينة.