//Put this in the section //Vbout Automation

بداية اختبار أمني ؟ – نبيل بومنصف – النهار

شكّل المسار السياسي والامني للبنان منذ تأليف حكومة الرئيس سعد الحريري عقب الانتخابات النيابية ارفع ضمان مبدئي وفعلي متوافر للاستقرار الامني باعتبار ان هذا الاستقرار يستند الى الركائز التي لا مفر منها لديمومته، وهي: التوافق الداخلي بصرف النظر عن المكونات الصلبة لاستمراره او تهاويه عند اي هبة طارئة خارجية او داخلية، والمظلة العربية ولو ثنائية عبر الرعاية السورية – السعودية، والتقدم المطرد في تنامي قدرة القوى الامنية والعسكرية على الامساك بناصية الامن ولو محفوفة دوما بعامل انتقاص سيطرتها على كامل الارض واحتكارها الحصري للسلاح.

ولا شيء يوحي جديا امكان تبدل هذا الواقع ما دامت العوامل الثلاثة قائمة، مما يقود رأسا الى تقليل المفعول الامني الجاد لحادثين متعاقبين حصلا في الايام الاخيرة عبر توزيع مناشير تحريضية او ترهيبية في شرق صيدا تفوح منها رائحة الحض على الفتنة، وانفجار غامض ملتبس في زحلة عشية زيارة البطريرك صفير للمدينة.

مع ذلك، لعل ما يثير الخشية في ظلال هذين الحادثين، اكثر من مدلولاتهما، اذا ثبت ان وراء كل منهما تحريكا او محاولة اختراق امنية، هو ردود الفعل المذعورة والمضخمة بازاء كل منهما. هذه الاصداء نفسها تعكس بما لا يقبل جدلا ان المناخ اللبناني العام لا يزال يعيش هاجس استحضار الفتنة في اي لحظة، ولا يوحي الثقة الكافية حيال حصانة عالية في مواجهة اي اختراق او افتعال جديد، مما يوفر تلقائيا التربة الخصبة لاي طرف داخلي او خارجي في العودة الى استباحة لبنان امنيا.

فاذا كان للحادثين ان يقاسا من الزاوية "الرمزية" بخلفية افتراض انهما شكلا رسالتين ترهيبيتين، فهما حتما رسالتان الى الجماعات المسيحية. احداهما رميت في منطقة "تهجير" مسيحية في الجنوب مهجوسة بتجربة الحرب وقريبة من مواقع "التوطين"، مما يعني نظريا ان المناشير الطائرة في ليل الترهيب جاءت ردا على "الموقف المسيحي" من ملف الحقوق الاجتماعية للاجئين الفلسطينيين، والأخرى رميت في عاصمة التفاعل البقاعي الاشد حيوية وحرارة على تماس الصراعات السياسية والواقع التعايشي المختلط، مما يفترض نظريا انها جاءت تحذيرا لاكثر البطاركة الموارنة اثارة للجدل الداخلي.

الخلاصة الفورية في تلقف الرسالتين تنبئ بتطور جيد في السياق العام. لا مسيحيو شرق صيدا هلعوا امام شبح فقاعة امنية ولا فعاليات المنطقة او قواها المعنية قاطبة تركت شكا في قدرتها على التصدي لمشروع فتنة. ولا البطريرك الماروني او زحلة او اهالي البقاع قاطبة سمحوا لرسالة ترهيبية مفترضة بافساد الزيارة البطريركية التاريخية ودلالات "الجمعة" البقاعية حولها.

على ان ذلك لا يقي وحده من مدلولات خبيثة ابعد مدى ربما يكون من الخطأ تجاهلها لتجاوز ما حصل. فالحادثان، متى ثبت في التحقيقات انهما من صنع مدبر، يعنيان بوادر عودة الى ربط السياسة بالامن او بالعكس، بمعنى "تسييل" المفاعيل السياسية بمفاعيل امنية ودخول التوظيفات الامنية مجددا على الواقع السياسي. هو امر يكتسب في قشرته الظاهرة طابع استهداف المجموعات المسيحية مباشرة لانها الاكثر قابلية للتفاعل السلبي مع ذاكرة التهجير والقمع وما اليها، لكن الاستهداف الاعمق يطاول الحكومة حصرا وتحديدا ليضعها امام الاختبار الاهم وهو التحسب لزمن آت قد تتقدم فيه تدريجا استحقاقات السيطرة الامنية على كل شيء آخر. وليس في الواقع الاقليمي المحتقن والعديد من المحطات الداخلية والخارجية سوى ما يؤكد بدء هذا الاختبار الصعب.