//Put this in the section //Vbout Automation

يرضى الإيرانيون ولا يرضى اللبنانيون ! – راجح الخوري – النهار

لم يكن لبنان في حاجة الى نشر غسيله السياسي الناصع من سطوح بعبدا الى سطوح نيويورك، ليبدو عمليا وكأنه احدى الدول الفاشلة التي لا تستطيع اتخاذ موقف واضح ومفهوم.
لكن الكيمياء السياسية عندنا ليست أكثر من زجاجة الماء والزيت. ولهذا لم يكن غريبا أمس ان يقرأ الناس في هذا البلد المتعوس ثناء المندوب الايراني في مجلس الامن محمد خزاعي، على موقف لبنان وشكره على الامتناع عن التصويت على قرار العقوبات ضد طهران، في وقت فاض بعض التصريحات والتعليقات المحلية بما يشبه التقريع للدولة لأنها لم تصوت ضد قرار العقوبات على طهران.


يرضى الايرانيون ولا يرضى أصدقاء ايران في لبنان، مفهوم طبعا ولكن الامر يحتاج الى شيء من الواقعية والهدوء والتأمل في الحقائق والوقائع واستخلاص الموقف الافضل:





أولا: الامتناع عن التصويت يعني ضمنا أيها الأكارم عدم الموافقة على القرار. فكيف اذا كان الاعلان عن هذا الامتناع قد اقترن بقول مندوب لبنان في مجلس الامن حرفيا: "ان معالجة ملف ايران النووي يكون بالمزيد من الحوار وليس بسلوك نهج العقوبات"، بما يعني بكل صراحة، ان لبنان يرفض العقوبات، بغض النظر عن امتناعه عن التصويت وهو أمر لا يقدم ولا يؤخر في النتيجة.
وفي هذا السياق كان رئيس الحكومة سعد الحريري واضحا تماما عندما قال: "ان قرارنا لن يغير شيئا في المعادلة، لأن الدول الخمس الكبرى هي التي تحدد. وامتناعنا عن التصويت لا يعني اننا مع العقوبات بل نحن قلنا اننا ضد العقوبات على طهران وهذا يؤكد ان الامتناع عن التصويت معناه أننا نرفض العقوبات".


ثانيا: لا ندري ما حاجة لبنان الى الاعلان الصريح عن فشل الدولة فيه وقصورها، وقد جاء ذلك داخل مجلس الامن وعلى لسان السفير نواف سلام الذي قال: "قامت حكومة بلادي بدرس موضوع التصويت المهم المعروض أمامنا اليوم، ولما لم يتبلور موقف نهائي في اللحظة التي نجتمع فيها، لذلك فان لبنان قد امتنع عن التصويت".
ومتى يتبلور هذا الموقف يا طويل العمر؟
الله أعلم. ربما عندما يمتزج الماء بالزيت، ولكن هل كان من الضروري ابلاغ العالم، بأن الموقف بقي غير متبلور حتى لحظة التصويت، وأن الامتناع ليس موقفاً بل هو عجز عن اتخاذ موقف؟!


ثالثا: ليس سرا أن لبنان يمثل المجموعة العربية في مجلس الامن، ربما لسوء الحظ وكان الله في عون الدول الضعيفة أو المنقسمة على نفسها، وليس سرا أن لبنان لا يستطيع ان يجر العرب الى موقف يرفض العقوبات، لأن المواقف العربية منقسمة ايضا بين متحمس صامت للعقوبات ومعارض صارخ ضدها، بما يعني ان الموقف العربي يؤيد اجمالا الامتناع عن التصويت.
وليس سرا ان سعد الحريري تفوق على ابن بطوطة سياسيا في الايام القليلة الماضية، عندما قام بجولة عربية مكوكية، هدفها التوصل الى موقف لا يعادي ايران بتأييد العقوبات، ولا يعادي الدول الكبرى برفض هذه العقوبات، وخصوصا ان اقرارها لا يحتاج الى لبنان كصوت مرجّح مثلا، فكان الامتناع عن التصويت مخرجا أقرب الى رفض العقوبات، وخصوصا بعد كلام السفير سلام الواضح عن تأييد الحوار لا نهج العقوبات!


رابعا: ليس سرا أن سلسلة من الاتصالات السياسية المحمومة جرت بين المسؤولين في لبنان وأن رئيس الحكومة أقام جسرا من التشاور المحلي المتصل بالتنسيق العربي مع سوريا والسعودية ومصر والاردن، وكل ذلك بهدف ان يتخذ لبنان في مجلس الامن موقفا يريح الأمور عربيا ويرسخ التعاون والتفاهم لبنانيا، ولا يؤذي ايرانيا، ولا مانع ان اثارة العتب وربما الغضب دوليا!


ولكن النتيجة في مجلس الوزراء جاءت على هذا النحو المؤسف من الانقسام، الذي لن يؤثر في آليات قرار العقوبات ونتائجه العملية، بل سيؤثر حتما في التعاون والانسجام داخل العمل الحكومي. والغريب في نهاية الامر ان يرضى المندوب الايراني في نيويورك ويشكر ولا يرضى البعض في بيروت!