//Put this in the section //Vbout Automation

ماذا يريد بري بإثارته قضية صرف الـ ١١ مليار دولار؟ – ابراهيم بيرم – النهار

عندما أثار رئيس مجلس النواب نبيه بري من على ابواب قصر بعبدا قبل ايام قليلة قضية الـ11 مليار دولار التي صرفت من خارج القاعدة الاثني عشرية، ابان حكومتي الرئيس فؤاد السنيورة، برز سؤال راود اذهان الكثيرين عن الامر الأبعد والأعمق الذي يرمي اليه رئيس السلطة التشريعية خلال تصويبه على هذه المسألة.

من حيث الشكل يحق للرجل ان يلقي الاضواء ساطعة على قضية بهذه الأهمية في وقت تنشغل الحكومة بمناقشة مشروع الموازنة العامة للسنة الجارية وتستعجل انجازه كونه مقدمة لانتقال الحكومة من صفتها الحالية وهي حكومة "تصريف اعمال" الى حكومة افعال.

وبالطبع للرئيس بري مبرراته ومسوغاته المقبولة لاثارته هذا الموضوع من خلال معطيين اساسيين ينقلهما عنه المقربون منه وهما:

– انه لا يمكن ان تقر موازنة عامة من دون قطع الحساب للمالية العامة في المرحلة الماضية، ومثل هذا الامر يحتاج من الذين كان بيدهم التوقيع على اوامر الصرف في هذه المرحلة ان يقولوا للجميع كيف صرفوا الاموال ولماذا.

– ان الرئيس بري لا يريد، وفق ما ينقل عنه، اكثر من ان يقول المعني بتلك المرحلة، وهو الرئيس السنيورة، كيف صرفت تلك المبالغ الباهظة قياساً بالموازنة اللبنانية، وبعدها ليس المطلوب محاسبة هؤلاء وتحميلهم وزر المرحلة الماضية برمتها بقدر ما المطلوب "ابراء ذمة"، وتاليا طي صفحة تلك المرحلة والشروع في فتح صفحة جديدة يتم فيها العمل وفق الاصول.
ولا يخفي العالمون بأجواء الرئيس بري انه يردد في مجالسه الخاصة ان اثارة المسألة هذه منفصلة تماما عن اية حسابات اخرى داخلية أو اقليمية، ولا تستهدف كما يقال محاكمة مرحلة انطوت وإقرار "اسيادها" بأنهم اخطأوا فيها، وهو التبرير الذي قدّمه خصومه لدى سماعهم بما أثير ويثار.

اما الذين احسنوا الظن اكثر بالرئيس بري فقد بادروا الى الزعم ان حملته المتجددة على المليارات الـ11 انما يراد عبرها ان يفتح الرئيس بري المجال امام اقرار مشروع عزيز جدا عليه هو مشروع الليطاني. والمعلوم ان كل فرص تمويل هذا المشروع من دول عربية قد بددت الى حد كبير في الآونة الاخيرة، لذا فهو يريد ان لا يُنسى هذا الموضوع، ولا توصد الابواب امام مصادر تمويل اخرى ربما من بينها الباب السعودي.

وبالطبع لا يمكن اي مراقب ان يعتبر حملة بري على مسألة المبالغ التي صرفت ومن ثم اثارته لموضوع الاتفاق الامني، في هذه المرحلة بالذات، هجوما باسم المعارضة مجتمعة على اداء الرئيس الحريري ولا سيما ان الزيارة الثالثة لرئيس الحكومة الى دمشق اظهرت، بحسب بعض العارفين بمسار هذه العلاقة، انها دخلت مرحلة اكثر تطورا ومفتوحة على مناخات ايجابية.
وبناء على كل هذه المعطيات، فإن السؤال الذي لا يزال ينتظر الاجابة: ما هي اذاً المرامي البعيدة التي وضعها الرئيس بري نصب عينيه لحظة فتح باب المواجهة مع الفريق السياسي الذي هادنه نسبيا في المرحلة الماضية اكثر من سواه من حلفائه وحلفاء حلفائه في فريق المعارضة؟

الذين يعطون لأنفسهم صفة المطلع الحقيقي على جوهر مواقف بري يؤكدون ان العنوان العريض لمقاصد بري من وراء حملته هو اعادة الاعتبار الى دوره، وإفهام من يعنيهم الامر بأنه لا يمكنهم تجاهله، او اعتباره نسيا منسيا.

وفي التفاصيل ان بري اراد من خلال اثارته هذا "الدوي" السياسي تحقيق الآتي:

– التخفف من أعباء وأثقال مرحلة الانتخابات البلدية والاختيارية التي خرج منها، على حد قول المقربين منه، "محبطاً" الى درجة دفعته الى القول لهم: لا اريد من احد ان يفتح معي هذا الملف ثانية. وعموما أراد بري ان يطوي صفحة سببت له صداعاً حقيقياً ولم تقدم اليه أية إضافات تستأهل هذا الكم من المشاكل والاشكالات التي شهدها الجنوب وقواعد حركة "أمل" والعائلات الموالية لها او القريبة منها.

– أراد بري من خلال هذا الحراك السياسي "المميز" والمثير للجدل والسجال ان يعيد الاعتبار الى موقعه السياسي، ويعيد التذكير بدوره كرئيس للسلطة التشريعية وعلاقته بالحكومة.
– شاء أيضاً ان يعيد الاضواء الى دوره السياسي الذي بدا وكأنه صار في حكم الغائب والمهمش والمنسي، بعد الادوار السياسية المتعاظمة التي يضطلع بها كل من رئيس الجمهورية ميشال سليمان او رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري من خلال جولاتهما الخارجية، ومن خلال علاقة الاخير الحديثة والنامية مع دمشق.

– اختار بري أيضاً أن يعيد الاعتبار الى دوره "الاصلاحي"، الذي كاد يغيب في الآونة الأخيرة، من خلال تركيزه على موضوع طي مرحلة إدارة سياسية ومالية للبلاد بدأت ثمارها المرة تبرز شيئاً فشيئاً في الآونة الأخيرة.

ولا بد ان بري، وفق القريبين منه، يتوقف باهتمام عند النقد الذي يقدمه وزير الاتصالات شربل نحاس للموازنة وللسياسات المالية عموما، وهو نقد اضاء فعلا على كثير من الثغر والاخطاء في المسار العام للسياسة المالية والاقتصادية والاجتماعية للدولة طوال المرحلة الماضية.

وبهذا المعنى استطاع بري ان يؤكد لمن يعنيهم الامر انه قادر على جمع اوراق قوة لا يستهان بها بيده، وان يفاجئ الجميع، الخصوم والاصدقاء والحلفاء واللاعبين المحليين والاقليميين، على حد سواء، وانه ما برح يحتفظ بحيوية سياسية تؤكد انه ما زال رقماً صعباً ولاعباً اساسياً بمقدوره خلط الأوراق، وحتى قلب الطاولة على الجميع إذا ما بلغت الامور حد مرحلة تستأهل ذلك.

وعليه، لم يكن غريباً بالنسبة الى المحيطين ببري ان يبادر الرئيس الحريري، فور صدور كلام بري عن مبلغ الـ11 مليار دولار، الى زيارة رئيس المجلس وهو الذي استنكف عن هذا الامر منذ فترة، فبدا وكأنه "هجران" معتمد لبري، واهمال للعلاقة معه، والوقوف على خاطره. ويقال إن بري لم يشأ ان تكون هذه الزيارة خاتمة المطاف، او كأنها الثمن الذي شاءه لحظة فتح أبواب المواجهة مع الحريري وسلفه والحكومة، اذ انه حرص على بث مناخات توحي وكأنه وضع الحريري تحت مجهر التجربة والاختبار، اذ اكد انه تلقى منه وعوداً بمعالجة كل ما اثاره ورفعه من مطالب معلنة ومضمرة على حد سواء ليفهم من يعنيهم الامر ان ثمة "ربط نزاع" وليس مخارج وحلول باتت جاهزة وحاضرة.

وفي الحصيلة نجح بري ان يُفهم من يعنيهم الامر انه لاعب حاضر يحسن استغلال الاوراق الموجودة لديه او التي تتوافر غب الطلب.