//Put this in the section //Vbout Automation

أين العرب من “الأباطرة” الجدد ؟! – راجح الخوري – النهار

أين العرب من الجريمة التي اقترفتها إسرائيل ضد "اسطول الحرية"، وقد سعى لكسر الحصار الوحشي الذي يفرضه العدو على قطاع غزة؟

سؤال مؤلم بالتأكيد، يزيد من مرارته أن من أصل 850 من الذين كانوا على متن الأسطول، لم يكن هناك أكثر من 100 عربي، أما الباقون فمن 42 جنسية أخرى!

وإذا كان الغياب عن التحدي وركوب اليمّ سعياً لنجدة أهالي غزة، يندرج في سياق التقاعس وحتى الخنوع، وهذا ما وصل اليه الواقع العربي المزري، فإن الغياب النسبي عن الاعتراض والتنديد ورفع الصوت بعد وقوع الجريمة، يؤكد مرة جديدة بؤس المنقلب الذي وصل إليه "العمل العربي المشترك"، فلا عمل ولا من يعملون، ولا علم ولا من يعلمون، ولا حسّ ولا من يحسّون، ولا حياء ولا من يستحون!
❑ ❑ ❑
كان يكفي أمس أن يقارن المرء بين حجم ردّات الفعل الدولية والعربية. بين حرارة المواقف الخارجية وحدّة الاعتراض والتنديد وبين تبلّد الكلمات العربية وصقيع الحسّ، لكي يستنتج ويا لمرارة السخرية، أن العالم في ضجيج الغضب ونحن في رفع العتب. ولتأكيد هذا الواقع المؤلم، راقبوا ما جرى ويجري في الجامعة العربية على سبيل المثال لا الحصر.

اجتماع "طارئ" لمجلس الجامعة على مستوى المندوبين، وحفنة من الكلمات الخالية من أي عصب ودعوة إنشائية الى العالم لرفع الحصار أو كسره، من دون أن نعرف ماذا فعل حضرة النظام السياسي العربي من المحيط الى الخليج، لرفع الحصار أو كسره (!) ثم اجتماع لوزراء الخارجية لا يضيف شيئاً الى أبجدية التهالك التي نغرق فيها منذ زمن بعيد!

كان مثيراً لا بل مخجلاً أن تنشط الاتصالات بين البيت الأبيض وأنقره وبين الرئيس باراك أوباما ورئيس حكومة القتلة بنيامين نتنياهو، وبين عواصم غربية عدة، في وقت بدت المنطقة العربية وكأنها برية منسية تغرق في الغياب والصمت!

واذا كان لبنان أدى دوراً فعّالاً في سياق عقد الجلسة الطارئة لمجلس الأمن، فإن القعود عن الغضب وإشعار واشنطن بأن في وسع الدول العربية أن تغضب وترد ولو بقرارات إجرائية وسياسية على الأقل، هو الذي جعل أميركا تنزع كل عبارات أو إشارات تؤذي إسرائيل من قرار مجلس الأمن، الذي صدر خالياً من أي حرارة تتناسب مع الجريمة الوقحة التي ارتكبت ضد 43 دولة.

لقد بدا رجب طيّب أردوغان وكأنه "زعيم الأمة العربية وقائدها الملهم" عندما وقف خطيباً أمام البرلمان التركي وهاجم إسرائيل بعبارات حادة وغاضبة ومهددة ضمناً، في حين غابت وجوه وأصوات وألسنة نارية من هذه البرية العربية المنسية كما قلنا.
❑ ❑ ❑
وإذا كانت الأمانة تقضي بالثناء على الموقف التركي المتنامي في مواجهة إسرائيل، التي كانت حتى أمس القريب "حليفاً" لأنقره في التسلّح والمناورات العسكرية والمبادلات السياسية والاقتصادية، فإن الواجب يقضي بأن نتذكر الحال التي وصلت إليها المنطقة العربية، فهي ليست أكثر من ملعب يتحرك على أرضه ثلاثة لاعبين إقليميين يتقاذفون كرة واحدة هي القضية الفلسطينية ويسجلون الأهداف في شباك النفوذ والمصالح ويحصلون على "الكؤوس والأوسمة" في سوق المبادلات وردهة المقاولات الدولية!

من الضروري أن يتذكر العرب الحقائق والتحولات المحيطة بهم، فقبل ثلاثة عقود تقريباً كانت إيران الشاه حليفاً داعماً لإسرائيل، وها هي الآن تقفز فوق العرب قارعة طبول القضية ونافخة في أبواق المقاومة وعازفة على أوتار الرفض والتصدّي، الى درجة أن البعض يظن أن فلسطين "قضية إيرانية"!

وقبل ستة أشهر كانت تركيا شريكة إسرائيل في مناورات "الحورية الواثقة" البحرية، وفي عقود التسليح والتعاون الأمني إلى حدوده القصوى، وها هو أردوغان يقبل نصائح وزير خارجيته أحمد داود أوغلو، و"إلى الجنوب درّ".

ومنذ الاشتباك الكلامي مع شمعون بيريس في دافوس الى الاعتراض الصارخ على حرب غزة وحصاره، وصولاً الى ما تعرّض له "أسطول الحرية"، صار في وسع أنقره أن تستعيد أحلام السلطنة التي سيطرت على المنطقة أربعة قرون ونيّف.

وكما خطفت طهران الوهج الفلسطيني، تخطفه تركيا الآن ولكن مع حرص على أن لا يقع الاصطدام بين الأحلام الأمبراطورية التركية والأحلام الأمبراطورية الفارسية أيضاً، ولهذا سعى الأتراك الى احتضان مسألة النوويات الإيرانية.

قبل مئة عام تقريباً انهارت الأمبراطورية العثمانية، وها هي الآن تنهض من جديد، متحوّلة من قرع الباب الأوروبي الذي لا يفتح، الى اقتحام الباب العربي المشرّع أمام كل الرياح. فكيف برياح العزف على أوتار فلسطين؟

هل من الضروري أن نذكّر أيضاً بالأمبراطورية الفارسية، التي تقهقرت واندثرت زمناً طويلاً ثم عادت لتضع أقدامها في مياه البحر المتوسط، وهي تقرع طبول فلسطين.
والقضية الفلسطينية ليست إلا ثمرة قضية مأسوية أعمق، تتصل بحال العجز والانقسام والتفكّك، التي تنزل في "العالم" العربي مثل لعنة دائمة، وهو ما يفسّر لماذا تنهار الأمبراطوريات من حولنا وتقوم من جديد، بينما نراوح نحن في مستنقع العجز والفشل من المحيط الى الخليج!