//Put this in the section //Vbout Automation

“ديموقراطية”… بلا مكابرة ! – نبيل بو منصف – النهار

وفّر الدكتور أحمد فتفت اول ميزة نادرة لتياره الأحدث عمراً بين التيارات والاحزاب اللبنانية، وهي الاستقالة الطوعية تحملاً لمسؤولية مثبتة في تقصير او سوء اداء او مراجعة ذاتية، او حتى رداً لتهمة بكل هذا ولو كان منها براء.

وسيخطئ "تيار المستقبل" ايما خطأ إن هو سارع الى لفلفة هذه الميزة وتداركها من دون ان يأخذ الموجبات الواقعية والصريحة التي اوردها الدكتور فتفت في وضع استقالته في تصرف رئيس التيار. ذلك ان الاحزاب اللبنانية قاطبة تعاني من تشوه بالولادة اسمه الافتقار الحاد الى الديموقراطية والمساءلة الفعليتين، وليس في "ثقافة" هذه الاحزاب اي مكان او فسحة صادقة او فعلية لمساءلة او استقالة او منافسة او مراجعة نقدية يعتد بها إلا بمقدار ما تخدم صورة "الزعيم" الكلي السلطة، ذي السطوة الآحادية الشخصية على محازبيه وانصاره.

لا تتصل هذه الاشكالية حصرا بطائفة الحزب او مذهبه او موقعه السياسي في منظومة الاصطفاف اللبناني عموما، بل هي اشكالية عميقة ضاربة في "الطقوس" العائدة للاداء الحزبي في لبنان "المكان"، ولا نقول الدولة، الاكثر مباهاة بالديموقراطية والاقل التزاما لها من بين سائر الدول الواقعة اسماً او فعلاً في الفلك الديموقراطي.

لم يكن غريبا والحال هذه ان تتفتق الانتخابات البلدية عن مشاكل بالجملة لمعظم الاحزاب والتيارات وسط مرحلة تحوّل جذرية في السياق السياسي العام عاد معها منطق ميزان القوى الاقليمي يتحكم بلبنان ويضع احزابه في صدام مباشر مع الجماهير والاجباب والعائلات والانصار. اذا كانت استقالة او مشروع استقالة لمسؤول حزبي تعني شيئا في هذه اللحظة السياسية، فهي ان مفهوم الاحزاب والتيارات "القاطرة" للطوائف لا يمكنها ان تنام على حرير الاصطفاف الطائفي وحده في كل الاوقات والظروف من دون اثمان ذاتية. ها هو "التيار الوطني الحر" يعاني بدوره ازمة لم تعد مكتومة اطلاقا، ولا يمكن طمس اسبابها الدفينة العائدة الى جنوح صورة الزعامة الفردية على الخيارات المتعددة، مهما تلونت اساليب تغييب هذا السبب.

وها هو الحزب التقدمي الاشتراكي، ولو اسلس القياد لزعامته الجنبلاطية التاريخية، وقد شهد ما شهده منذ "اعادة التموضع" الجذرية لزعيمه وما يزال يعاني الارتدادات.

وها هي الكتلة الشيعية، المتراصة والاشد تماسكا وراء واقع بات يسلّم لها بفائض القوة الذي يتجاوز حتى قدرتها على الاحتمال، مقبلة على خطأ تاريخي سبقتها اليه طوائف اخرى وصلت الى اعلى السلم ثم انحدرت بقوة جارفة عندما تنكرت او تعامت عن المفاعيل الخطيرة للآحادية.

وها هي احزاب مسيحية اخرى تعود الى التآكل في ما بينها على خلفية ماض دموي لأنها فشلت في ايصال فكر نخبوي خالص الى آليات القرار الحزبي.

وهي اولا واخيرا ازمة الديموقراطية في الاحزاب ومشتقاتها وامتداداتها وصولا الى السلطة وعبرها الى "مشروع الدولة"، ولا مجال فيها لأي مزايدة او مكابرة.