//Put this in the section //Vbout Automation

المخيمات وسكانها مسؤولية الدولة اللبنانية – اياد مسعود – المستقبل

لم يقف الفلسطينيون طويلاً عند معاني الانقسام الذي شهده المجلس النيابي اللبناني وهو يناقش مشاريع القوانين حول حقوقهم المدنية والاجتماعية، فالفلسطينيون على اختلاف اتجاهاتهم، أخرجوا أنفسهم من دائرة التأثر بالأوضاع اللبنانية الداخلية، ورسموا لحركتهم السياسية خطوطاً حمرا، منطلقها العيش تحت سقف الدولة اللبنانية ذات السيادة على أراضيها. لذا لم ينجر الفلسطينيون إلى التجاذبات الإعلامية التي تلت أعمال مجلس النواب وإحالة مشاريع القوانين على اللجان المختصة، بقدر ما أعادوا التأكيد على طبيعة الحقوق المدنية والاجتماعية التي يطالبون بها، مجددين في الوقت نفسه أن منحهم هذه الحقوق لا يستحضر التوطين، بل من شأن ذلك أن يوفر لهم ظروفاً اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية أكثر تماسكاً، تزيدهم مناعة ضد مشاريع التوطين وقدرة على رفضها والتصدي لها من أية جهة أتت.

رافضين في الوقت نفسه المحاولات المحمومة من البعض لاعتبار الجانب الأمني، هو المدخل الوحيد للتعاطي مع الحالة الفلسطينية في لبنان. علماً أن أية محاولة لمعالجة الجانب الأمني من الحالة الفلسطينية في لبنان، لا تستقيم من دون رسم حدود مسؤولية الدولة اللبنانية نفسها في معالجة ما يتصل بهذا الجانب. وبالتالي إن أية اتهامات للمخيمات (خاصة عين الحلوة) إنها أصبحت مأوى لمجموعات عسكرية غير لبنانية (وغير فلسطينية في الوقت نفسه) إنما يطال مسؤولية الدولة اللبنانية قبل أن يطال مسؤولية المخيمات. فالفلسطينيون ليسوا مسؤولين عن حماية الحدود اللبنانية ضد تسلل الأفراد والجماعات، فضلاً عن ذلك فإن المخيمات المستهدفة بالاتهامات تعيش في ظل حصار أمني لبناني الأمر الذي يستدعي سؤالاً عن كيفية تحرك هذه الجماعات وهؤلاء الأفراد من المخيمات وإليها. فضلاً عن ذلك لا يمكن لأي مسؤول أن يتجاهل أن ظاهرة القوى الدينية في المخيمات الفلسطينية، إنما وردت إليها من محيطها اللبناني، وأنها ظاهرة تعتاش على الدعم الخارجي لها الأمر الذي يعيد طرح مسؤولية الدولة اللبنانية نفسها في مراقبة أقنية هذا الدعم ومصادره، ودورها في رصده والعمل لتجفيفه.





الجانب الآخر من الموضوع، وهو الأهم، أن الذين يركزون على ظواهر التطرف داخل المخيمات، يتجاهلون أن معالجة هذه الظواهر لا تكون بإجراءات أمنية بحتة. ويتجاهلون في السياق نفسه أن مجتمعات الفقر والبطالة والإحساس باليأس، والإحباط، تشكل البيئة الخصبة لنشوء هذه الظواهر وتفشيها، وامتلاكها القدرة على التحريض والتعبئة والاستقطاب. وبالتالي يقع في التناقض من يصور المخيمات أنها بؤرة لاحتضان القوى الإرهابية ثم يلجأ في الوقت نفسه إلى فرض الحصار العسكري والأمني عليها، ومعاملة سكانها بكثير من الاضطهاد، ويفرض على سكانها عزلة سياسية واجتماعية، ويرفض حقها في العمل وغير ذلك من الحقوق المدنية التي لا توفر لأصحابها سبل العيش الكريم، متخلياً عن واجباته السيادية نحو السكان المقيمين على أرضه، محملاً المسؤولية كاملة لوكالة الغوث وحدها، باعتبارها هي المعنية بشؤون المخيمات، في الوقت الذي بات الجميع مطلاً على الواقع المالي للوكالة وحالة العجز التي تعانيها، وعلى تراجع خدماتها نحو اللاجئين.


ومن الخطأ الجسيم أن ينوب بعضهم عن الدولة فيدعو الفلسطينيين إلى المقايضة بين حقوقهم المدنية والاجتماعية وبين ما يسميه حق الدولة اللبنانية في الدخول إلى المخيمات. لأن في ذلك طعناً مبطناً في سيادة الدولة اللبنانية على أراضيها. صحيح أن الرموز السيادية للدولة ليست داخل المخيمات، لكن الصحيح أن الدولة وضعت آليات تمكنها من ممارسة سلطاتها الأمنية والعسكرية والقضائية على المخيمات. والأمثلة كثيرة عن مطلوبين جنائيين سلمتهم المخيمات إلى السلطات القضائية اللبنانية بناء لطلب هذه الأخيرة.


وفي هذا الجانب لا بد من الوقوف أمام مسألتين لا يمكن تجاوزهما بالنقاش وإلا نكون قد خرجنا عن خط المصارحة نحو خط المجاملة.


* المسألة الأولى: إن حق الدولة اللبنانية (غير القابل للنقاش) لمد سيادتها على كل شبر من أرضها، بما في ذلك المخيمات، لا يعطيها الصلاحية، على الإطلاق، للتعامل مع كل فلسطيني على أنه مدان حتى تثبت براءته. وبالتالي لا يعطيها الحق (إنسانياً وقانونياً وسياسياً)أن تفرض على المخيمات حصاراً أمنياً، تمارس من خلاله إجراءات فيها من الإذلال ما يمس كرامة الإنسان في الصميم، أو أن تحول هذا الانتشار حول المخيمات، أداة لفرض حصار اقتصادي يطال الكثير من الحاجات اليومية بذريعة منع الإعمار بدون رخصة أو غير ذلك من الحجج غير المقنعة. إن الدولة الحكيمة هي التي تمارس سيادتها على تجمعات سكانية كالمخيمات، بما يمكنها من التفاعل الإيجابي مع هذه المخيمات، باعتبارها، إلى جانب كونها تجمعات سكانية، حالة سياسية ذات خصوصية ترتبط والدولة اللبنانية في معركة رفض التوطين وصون سيادة لبنان من أية حلول إقليمية لا تستجيب لحقوق اللاجئين ومصلحتهم والمصلحة الوطنية اللبنانية.


* المسألة الثانية: أن ثمة حالات مطلوبة للقضاء اللبناني، لكن الدولة تدرك جيداً تعقيدات أوضاع هذه الحالات، كونها لا تمت إلى النسيج السياسي الفلسطيني بصلة (فصائل م.ت.ف. أو فصائل التحالف). كما تدرك الدولة جيداً أن معالجة ملفات هذه الحالات هي بالأساس معالجة سياسية لا تشكل الحالة الفلسطينية طرفاً مقرراً فيها.


في الختام، لا بد من النظر إلى ما قام به مجلس النواب، على أنه أمر إيجابي، والأكثر إيجابية قول رئيس الحكومة سعد الحريري أن على لبنان معالجة أوضاع الفلسطينيين فيه، حتى لا تتحول قضيتهم إلى غزة أخرى، ويصبح الساحل اللبناني مقصداً لسفن فك الحصار عن المخيمات.