//Put this in the section //Vbout Automation

من أزمة الحقوق إلى سفن غزة هل يكسب لبنان ؟ – صلاح سلام – اللواء

مع بدء وصول طلائع الوافدين، من لبنانيين وعرب وأجانب، عشية إنطلاق موسم سياحي واعد، يشعر اللبنانيون، مرة أخرى، ان البلد بحاجة إلى هدنة سياحية حقيقية، تُعلَّق خلالها السجالات والتراشقات الكلامية، وتُغلَق طوالها الملفات الخلافية، البسيطة منها والمعقدة، وتَنصرف عبرها الحكومة الى العمل والإنتاج والإنجاز، ولو على مستوى ما تيسّر من التعيينات والمشروعات، وتدبير الأمر!

ولم تعد <هدنة الصيف> بالأمر العسير، في ظل أجواء التقارب العربي – العربي، المدعوم بحركة تركية ذكية وواعية، وبعد هذا التقدم في ترميم العلاقات اللبنانية – السورية، والارتياح الدمشقي المتزايد لمسار الأوضاع حالياً في لبنان، فضلاً عن حاجة كل الأطراف السياسية المحلية إلى <استراحة محارب>· بعد صخب الانتخابات النيابية والبلدية المتتالية، وبعد سنوات متعبة، من الصراعات والإنقسامات المريرة، أنهكت الجميع!





واذا كان إقرار الموازنة في مجلس الوزراء، بعد مسلسل الجلسات الماراتونية الحامية، يشكل خطوة مشجعة للتفاؤل بأجواء هادئة في أشهر الصيف على الأقل، إلا أن ثمة تخوفاً من تطورين مفاجئين اقتحما فجأة الأجندة السياسية الداخلية، ورفعا من حالة التوتر السياسي والسجالي، في وقت يبقى فيه البلد بحاجة إلى كل ما يعزز حالة الاستقرار الهش، وتوفير المناخات الإيجابية لتعزيز الثقة السياسية والاقتصادية، وجذب المزيد من الاستثمارات، لا سيما بعد كل هذا الكلام عن الثروة النفطية الموجودة في أعماق المياه الاقليمية·

التطور الأول تمثل في الطرح المفاجئ لملف الحقوق المدنية للإخوة الفلسطينيين اللاجئين في لبنان، وما أثاره من انقسامات أعادت مشهد الفرز الطائفي البغيض، وأثار عاصفة من النقاش حول الوجود الفلسطيني في البلد، وأحيا من جديد كل المخاوف والهواجس من التوطين·

في المبدأ، لا بد من معالجة لبنانية وطنية واعية لملف حقوق الفلسطينيين، تحرص على إخراج الأخ الفلسطيني من مستنقعات الذل والهوان، وتنقذ الشباب الفلسطيني من دوامة البطالة والضياع، وتساعد على تخفيف معاناة التخلف والبؤس والحرمان، والسماح بحصول العائلة الفلسطينية على حياة كريمة تراعي الحد الأدنى من مستوى الحياة الإنسانية، سواء داخل المخيمات أم خارجها·

ومن مؤشرات المعالجة الجدية لهذا الملف الشائك والمعقد، أن يتم وضع الأطر المناسبة لتشغيل اليد العاملة الفلسطينية، ولو بحدود معاملة العامل الفلسطيني بصيغة مشابهة للعمالة الوافدة الى لبنان، بالنسبة للتقديمات الصحية خاصة، وبما لا يؤدي الى تحميل ارباب العمل اعباء اضافية، تزيد من كلفة المنتوجات والخدمات اللبنانية، والتي تعتبر أصلاً مرتفعة قياساً على المستويات الحالية في الدول العربية المجاورة·

ولكن الكل يدرك ان مثل هذه المعالجة الجدية والجذرية لأوضاع الفلسطينيين، لا يمكن ان تتم بين ليلة وضحاها، ولا يمكن ان تمر عبر مشروع معجّل مكرّر في مجلس النواب، او حتى من خلال قرار يصدر عن مجلس الوزراء·

مثل هذه المعالجة تحتاج الى حوار وطني واسع وشامل، لان مخاوف البعض من كابوس التوطين، يكاد يحول الوضع الفلسطيني الى <مسألة ميثاقية> يتطلب التصدي لها اجماعاً وطنياً، بعد طول مناقشة وبحث وتمحيص·

واعتراض البعض على المشروع الجنبلاطي، توقيتاً ومضموناً، لا يقلل من أهمية المبادرة التي طرحها اللقاء الديمقراطي في فتح ملف الحقوق المدنية للفلسطينيين، على أمل ان يبقى النقاش في إطار البحث عن الصيغة المناسبة، تحت سقف الموقف اللبناني الواحد والموحّد في رفض التوطين، وفي أدائه كل ما من شأنه أن يؤدي الى أي نوع من أنواع التوطين!


وسفن التضامن مع غزة، تمثل التطور المفاجئ الثاني، الذي يهدد <هدنة الصيف> التي يراهن لبنان الرسمي والشعبي على تمريرها بهدوء وسلام، والاستفادة من موسم سياحي واعد يدر على البلد ما لا يقل عن خمسة مليار دولار·

لا احد يعارض التضامن مع الاخوة المحاصرين في قطاع غزة منذ سنوات، بحجة الضغط على حماس لاطلاق الجندي الاسرائيلي الاسير جلعاد شاليط·

اهل غزة بأمس الحاجة الى كل انواع المساعدات الانسانية: من كيس الطحين الى اكياس الترابة ومن علبة الحليب الى صناديق الادوية، فضلاً عما يعنيه وصول المساعدات إلى القطاع الصامد من إسقاط للحصار الظالم، وكسر لارادة الاحتلال المتغطرس بمنطق القوة والعنف الاعمى·

ولكن كل هذه الاعتبارات لا تبرر الاقدام على عمل غير محسوب العواقب بدقة، ويعطي الذريعة للعدو الاسرائيلي لشن عدوان جديد على لبنان، قد يطيح بما تبقى من مقومات الصمود والاستقرار في البلد·

اذا كان المقصود فعلاً ايصال المساعدات الانمائية الى الاخوة في غزة، فالطريق اصبحت مفتوحة عبر ميناء العريش وصولاً الى معبر رفح، بعد قرار مصر بفتح المعبر <حتى اشعار آخر>·

اما اذا كان الهدف إنقاذ الدور الايراني بعد ما اصابه من تراجع امام تقدم الدور التركي، فالمسألة فيها نظر، ولا بد من مراجعة حسابات أية مغامرة عسكرية جديدة قد يقدم عليها العدو الاسرائيلي، تعويضاً عما لحق به من خسائر سياسية ومعنوية في مواجهته مع تركيا، بعد الهجوم الهمجي على أسطول الحرية·

لقد كسبت تركيا المواجهة نتيجة حسابات ومصالح دولية وإقليمية متداخلة ومعقدة، لم تستطع تل أبيب تجاهلها أو القفز عليها، فكان أن سلّمت بكل الشروط التركية، من إطلاق المتضامنين فوراً، وعدم اعتقال مطلومين أو محاكمتهم، فضلاً عن إطلاق سفن أسطول الحرية·

فهل يستطيع لبنان أن يخوض مثل هذه المواجهة السياسية·· ويضغط على الجانب الاسرائيلي كما ضغطت تركيا·· ويربح المعركة الديبلوماسية دون أن تسقط <هدنة الصيف> في نيران عدوان اسرائيلي جديد··؟