//Put this in the section //Vbout Automation

تغيير وجه المنطقة – حازم صاغيّة – الحياة

منذ فترة وبعض الإعلام العربيّ المتحمّس ماضٍ في إعلان «تغيّر وجه المنطقة». والشيء نفسه سبق أن أعلنه جهاراً سياسيّون وحزبيّون مناضلون ونضاليّون.

فحين تتحدّى طهران الولايات المتّحدة أو إسرائيل، يتغيّر «وجه المنطقة»، وحين تقف تركيا موقفاً متشدّداً حيال الدولة العبريّة، يحصل الشيء نفسه. وحين تصاب الأخيرة بهزيمة إعلاميّة وسياسيّة في معركة «أسطول الحريّة»، نتحدّث عن تغيّر متسارع الألوان، بإيقاع سينمائيّ للكلمة، يعتري ذاك الوجه.




وتغيّر وجه المنطقة معناه، عند أصحابه، اقترابنا من دخول بوّابات النهضة، أو ربّما الجنّة، وضرب أوتادنا في الغد الزاهر. «فبعد اليوم»، كما يقال بإفراط وخطابيّة، لن يكون ما كان بالأمس من «خضوع وذلّ». والانتصارات المتوالية التي وعدنا بها أمين عام «حزب الله» اللبنانيّ توفّر البراهين الفائضة لطالبيها.

غنيّ عن القول إنّ الوجه الذي يتغيّر بهذه الكثرة لا يكون وجهاً، كما لا يكون ما يتعرّض له تغيّراً. إنّه، في أغلب الظنّ، اختراعنا المنبعث عن توهّم يفترض الوقائع، بكثير من السرعة، ثمّ يعلن تغييرها بالسرعة ذاتها.

وهنا لا بأس بالتذكير بأنّ وجه المنطقة المزعوم، ومن ورائه وجه التاريخ المزعوم هو أيضاً، سبق أن «تغيّرا»، في العهد الناصريّ، بوتائر لن نستطيع اللحاق بها اليوم مهما شددنا الهمّة وبالغنا في عدّ التغيّرات. وفي تلك الأيّام، كما في يومنا الراهن، فوّتنا ونفوّت على عقولنا فرصة الكلام الدقيق والعقلانيّ، مثلما فوّتنا ونفوّت على نفوسنا الإحباطات التي لا بدّ أن تنشأ، بعد غد، بنتيجة الكلام الحاليّ المضخّم. وربّما كان الأسوأ ما يترتّب على هذا «النهج» من نسف لكلّ ثقة متبقّية بين المتكلّم والمخاطَب، بين السياسيّ أو الكاتب أو المذيع وبين السامع والمتلقّي، في هذه الدنيا العربيّة الواسعة التي تتبادل بيع التماسيح المقتولة في بحار غامضة. فمن يتفوّه بكلام عقل عن سعي تركيا إلى الانضمام الى الاتّحاد الأوروبيّ، أو عن طموحات إيران في أدوار إقليميّة، ومن يربط بين هذه الاتّجاهات والسياسات المتّبعة، يكون ناشراً مشبوهاً لليأس في زمن الاحتفال الصاخب.

بيد أنّ أمراً آخر يستوقف مَن يتابعون المزاج المتولّد عن إحباط متراكم وعن معجزات رؤيويّة تُغرق «في شبر ماء». فالمزاج هذا، المستشري عربيّاً، والهائل القدرة على تخدير العقل، يفترض، في ما يفترض، أن التغيّر ومن ثمّ النهضة والتقدّم تنجرّ عن حرب أو معركة أو مجرّد حركة عنفيّة قد تتقلّص إلى مشادّة متوتّرة في دافوس أو في عرض البحر…

ومؤلم أنّ هؤلاء آتون من تاريخ سبق للدولة الأيوبيّة أن حقّقت فيه نصراً عسكريّاً مبيناً على الصليبيّين. إلاّ أنّها، ما إن حقّقت النصر العسكريّ، حتّى تفسّخت. ونحن أبناء تجارب أخرى من هذا الصنف الذي يعلو عسكريّاً قبل أن يهبط مدنيّاً وينحطّ في كلّ مجال آخر.

فالغربيّون، في المقابل، حين يتحدّثون عن «تغيّر وجه» منطقتهم، يشيرون إلى قرون ظهرت في خلالها الطباعة والتنوير والإصلاح الدينيّ والنهضة والثورات العلميّة والزراعيّة والصناعيّة. أمّا نحن، المسرعون والمسربلون بـ»خصوصيّتنا»، فمعاذ الله أن نقلّد «الرجل الأبيض»!