//Put this in the section //Vbout Automation

عن لبنان وفلسطينيّيه – حازم صاغيّة – الحياة

خطأ سياسيّ وخطأ أخلاقيّ مهول رفض الدعوة إلى منح الفلسطينيّين في لبنان حقوقهم الإنسانيّة والمدنيّة.

لا القوانين ولا الأعراف ولا المصالح، ولا الأخلاق طبعاً، تجيز الامتناع عن تلبية تلك الحقوق المُستحقّة لأصحابها.




والحال أن اللبنانيّين قد تواطأوا، منذ 1982، وخصوصاً منذ 1990، على الجلوس فوق الفلسطينيّين وطمس وجوههم، وعلى توزيع الابتسامات البلهاء إيحاءً بأنّ كلّ شيء قد حُلّ ما دام «أصل المشكلة» غدا تحت السيطرة. وبعضهم الكبير تواطأ أيضاً، منذ 1990، على الجلوس فوق المسيحيّين، المهمّشين حينذاك، وتعميم الانطباع الواثق والمتفائل ذاته بأنّ كلّ شيء على ما يرام.

فالمسألة، بالتالي، مسألة العلاقة بين «أقوام» هذا «الوطن»، وكلّ منها ضيّق الأفق وعلى استعداد عنصريّ خصب. وهي، تالياً، في رغبة كلّ واحد من هذه «الأقوام» في إيذاء الآخر أو إضعافه أو احتقاره. ولمّا كان الفلسطينيّون «غير لبنانيّين» تعريفاً، أصابهم القدر الأكبر من نذالة «الأقوام» الأخرى ومن أذيّتها. فنحن، هنا، لسنا حيال مجتمع صحّيّ تقبع على أطرافه جماعة أو تنظيم عنصريّان، بل حيال مجتمع تتشارك مكوّناته في رغباتها العنصريّة، كما في الأفعال حين يبدو ذلك متاحاً.

ووصف المسألة على هذا النحو قد يسهم في إيقاف الموضوع على قدميه بعد طول وقوف على رأسه. ذاك أنّ من المدهش أن ينتصب الطرفان اللذان ابتدآ الحرب في 1975، أي المسيحيّ والفلسطينيّ، وجهاً لوجه، بعد 35 عاماً على تلك المواجهة. أي أنّ الإعمار والمقاومة وتلازم المسارين وانفكاكهما وتعمير الوسط التجاريّ وانتخاب ثلاثة رؤساء جمهوريّة واغتيال رفيق الحريري وذيوله لم تكن غير هوامش مبعثرة حول ذاك المتن العريض والعميق والوسخ المؤسِّس لحياتنا العامّة. أمّا إقحام «اليمين» و «اليسار» في المسألة، على ما فعل السيّد وليد جنبلاط، فلم يكن غير شهادة أخرى على تلك الحقيقة القاتلة: ذاك أنّ الزعيم الدرزيّ أراد أن يقول «المسيحيّون» فقال «اليمين»!

في هذا المعنى يغدو السؤال: كيف نُخرج الحقّ الفلسطينيّ المؤكّد من دائرة التناحر الأهليّ تمهيداً لإحقاقه؟ كيف يُقطع الطريق على تفسير جاهز، وضيّق الأفق، يقول إنّ منح الفلسطينيّين حقوقهم هو حسم من حقوق المسيحيّين وربّما من حقوق الشيعة أيضاً؟

وأصحاب منطق الخوف والتخويف هذا يجدون ما يستندون إليه في أوضاع المنطقة حيث الأقليّات خائفة ومهاجرة ومهجّرة، وحيث ما من أحد يأمن أحداً. لكنّهم أيضاً يجدون ما يستندون إليه في أوضاع لبنان، حيث السلاح، اللبنانيّ قبل الفلسطينيّ، يستعصي على الدولة فيما الدولة عاجزة عن ضمان من لا يملك السلاح.

والسير في اتّجاه الحقوق هو السير نحو حكم القانون ونصاب الدولة، بما يطمئن الخائفين ويعزّز ثقافة مدنيّة وغير سلاحيّة تساهم في بناء بلد لا في تفسيخه.

والبائس أنّ أكثر ما استُعمل ولا يزال يُستعمَل ضدّ الفلسطينيّين وضدّ حقوقهم، «قضيّة فلسطين». والاستعمال هذا يكون مرّة «قوميّاً» يرطن بـ «التحرير»، ومرّة «انعزاليّاً» على وجهين، وجه العداء الصريح لمن هم «سبب حروبنا»، ووجه الاستبعاد لأنّنا «نحن، لا غيرنا، المقاومة»، وبالطبع فذلك كلّه يتمّ «دفاعاً عن قضيّتهم»!

وفي الحالات جميعاً، لا تنفع المقاربات هذه إلاّ في تبعيد الفلسطينيّين عن حقوقهم، وفي تخويف غير الفلسطينيّين منهم، فضلاً عن تخويف الفلسطينيّين من غير الفلسطينيّين!