//Put this in the section //Vbout Automation

القضيّة ومنافسات المتنافسين – حازم صاغيّة – الحياة

ما جعل إسرائيل تُهزم في المعركة السياسيّة والإعلاميّة الأخيرة هو، بالضبط، أنّ «أسطول الحريّة» لم يكن مسلّحاً، وأنّ الدولة العبريّة ردّت بعنف وحشيّ على نشاط سلميّ وعلى أفراد مدنيّين. وهذا هو السبب الذي يحمل المسؤولين الإسرائيليّين على تكرار الكذبة القائلة إنّ ركّاب الأسطول كانوا مسلّحين، بل تحويل تلك الكذبة حجّة وحيدة يستند اليها منطق حكومة بنيامين نتانياهو.

وهذا ما ينقلب رأساً على عقب في حال إقدام «الحرس الثوريّ» الإيرانيّ على «حراسة» سفن أخرى مشابهة، بموجب ما اقترحته مؤخّراً طهران. ففي هذه الحال تتولّى «الحراسةُ» إحراقَ ورقة السياسة كلّيّاً، كما تتولّى إحراق ما تبقّى من ورقة فلسطين لمصلحة التركيز على الدور الإيرانيّ في مقابل الدولة العبريّة.




وهذه عيّنة أخرى جديدة على منطق قديم يجعل من قضيّة الفلسطينيّين، ومن عواطف مناصريها، موضوعاً في منافسات لا تعود بالنفع إلاّ على المتنافسين أنفسهم، أو أنّ هذا ما يتراءى لهم في لحظات احتدام التنافس وقبل دفع الأثمان والأكلاف.

ومن يراجع تواريخ الحروب العربيّة لا يقع إلاّ على مثل هذا: يصحّ ذلك في حرب 1948 التي خيضت على إيقاع المنافسة المصريّة مع الهاشميّين في عمّان وبغداد، وقد شاع يومها أنّ كلاًّ من الأنظمة المعنيّة بالحرب كان يستهدف منها توسيع أرضه أو توسيع نفوذه. وهو يصحّ أيضاً في حرب 1967 التي خيضت تحت وطأة المزايدة السوريّة على جمال عبدالناصر وميل الطرفين إلى ابتزاز ملك الأردن، حسين. كذلك الحال في حرب 1973 حين اتّهمت دمشقُ القاهرةَ بأنّها خاضت حرباً محكومة بسقف المصالح المصريّة مع إدارة الظهر للمصالح السوريّة في الجولان.

وكان من الممكن القول: لا بأس بهذا ما دام أنّه يتيح فرصة للفلسطينيّين كي يستثمروا التنافس باسم قضيّتهم، فيما هم أصحاب المصلحة الفعليّة والمباشرة. لكنّ هذه الفرصة، وحيال التنافس التركيّ – الإيرانيّ الصاعد، تبدو اليوم معدومة للأسف. ذاك أنّ الفلسطينيّين، في ظلّ الانشطار الحاصل بين الضفّة الغربيّة وغزّة، يفتقرون إلى الأداة السياسيّة، ناهيك عن العسكريّة، التي يسعها وحدها أن تستثمر التناقضات كما تستثمر المكاسب الموضعيّة والصغرى.

وفي المعنى هذا، يُستحسَن، على ما يفعل الأتراك بطريقتهم، الرجوع خطوة إلى الوراء لإعادة تقويم الوضع وطرح الأهداف المتواضعة إنّما الممكنة. ذاك أنّ التفكير بتعزيز الأداة السياسيّة الفلسطينيّة هو وحده ما يوصل إلى مكان ما، مثمّراً المكاسب ومستفيداً من المنافسات.

أمّا الكلام البالغ الانتفاخ عن «الدم» و «الجماهير» و «الأمّة» و «المقاومة»، وأمّا اكتشاف التواريخ والمعاني كما لو أنّها ولدت مع «أسطول الحريّة» يوم أمس، فهذا ما سبق أن لازم حروبنا جميعاً من دون أن تترتّب عليه نتائج يُعتدّ بها… هذا إذا كان المرادُ الوصولَ إلى دولة فلسطينيّة وليس خدمة الأغراض الاستراتيجيّة والإقليميّة للمتنافسين.

والبائس، في هذا الإطار، أنّنا بالكاد نعثر على موقف أو نصّ أو خطاب يربط بين مكسب «أسطول الحريّة» والكثير من المكاسب الصغرى المطلوبة، والمطلوبة مراكمتها، وبين بلوغ ذاك الهدف المعلن والممكن وحده.