//Put this in the section //Vbout Automation

تسييس لبنان من خارج السياسة – رفيق خوري – الانوار

ليس في لبنان انتخابات بالمعنى الحقيقي في الأنظمة الديمقراطية، ولا طبعاً بالمعنى الشكلي في الأنظمة الشمولية. ولا فرق، سواء كانت الانتخابات نيابية أو بلدية أو انتخاب مخاتير بالتوافق أو بالمعارك. فاللعبة واحدة، في غياب المواطنة والدولة المدنية وطغيان مفهوم الرعايا: مجرد إحصاء للعصبيات الطائفية والمذهبية والحزبية والعائلية. حتى الانتخابات النقابية، فإنها تكاد تصبح (ملحقاً) لتلك الانتخابات. وأين? في انتخابات المهن الحرة التي هي عماد المجتمع المدني، وآخرها الانتخابات في نقابتي الأطباء في بيروت والشمال.


ذلك أن المهم، وخصوصاً في انتخابات المهن الحرة، ليس مَن ربح ومَن خسر بل كيف تُدار الانتخابات وعلى ماذا تدور. هل تدور على شؤون المهنة ودورها في المجتمع أم تتقدم الاعتبارات السياسية على البرامج المعلنة والكفاية النقابية? هل تُدار بما يخدم المهنة وأصحابها ويطورها وما يحسّن الخدمات للناس أم بما يخدم القوى السياسية عبر تسجيل (الأهداف) وما يعزز تنافس العصبيات?





جواب الانتخابات النيابية كان واضحاً: لا فرق بين الربح والخسارة، لأن كل العصبيات رابحة في الواقع. وهي قادت الى انتاج حكومة لا تعمل كأنها محكومة بنظرية وزير الخارجية الأميركي الأسبق جورج شولتز في كتابه تحت عنوان (إفعل لا شيء). وجواب الانتخابات البلدية كان ملتبساً: كل طرف فاخر بأرباحه وقام بإحصائها، بحيث بدا عدد البلديات ورؤسائها وأعضائها أكبر بكثير من العدد الحقيقي. ثم دقت ساعة المراجعة للتفكير في الخسائر والسعي الى اعادة هيكلة القوى بما يكفل تعلم الدروس. وجواب الانتخابات النقابية يضع الرابحين والخاسرين أمام التحدي الذي تصعب مواجهته بالسياسة وعصبياتها.


صحيح أن السياسة هي أساس الحركة في المجتمع، ولا بد منها حتى في انتخابات بلدية أو نقابية. لكن الصحيح أيضاً أن السياسة يجب أن تكون سياسة بمعناها الأصلي والراقي، أي ادارة شؤون الناس وفن هذه الادارة. وما يحدث هو (تسييس) لبنان ببلدياته ونقاباته وحتى بمجلسه النيابي وحكومته من خارج السياسة.


فالانتماء يعطى على الانماء. والفارق كبير بين سياسة الانماء على صعيد البلد والبلديات وبين (إنماء) السياسة لتعطيل العمل والهرب من ادارة شؤون الناس الى ادارة الناس من أجل شؤون السياسيين.


أليس أبسط ما يكشف لعبة الانتخابات هو ارتفاع الدعوات بعد كل عملية الى قانون انتخاب عصري وعادل بدل القانون السيئ? ألسنا في حاجة الى جيش الصين لمنع المشاكل بين القوى في انتخابات نفاخر بأنها ديمقراطية وهادئة وحضارية?


قمة البؤس أن تصبح الأدوار السياسية التي نتصارع عليها مجرد دوران في مأزق وطني وسياسي واقتصادي واجتماعي.