//Put this in the section //Vbout Automation

مشكلة لبنان المزمنة :الموازنة وقانون الانتخاب – رفيق خوري – الانوار

الموازنة تستحق معركة. لا حول الأرقام وحدها كالعادة بل حول الأساس وهو (فلسفة) الموازنة. ولا بأس في مجيء المعركة متأخرة بالنسبة الى موازنة العام الحالي، على أمل أن تكون تأسيسية بالنسبة الى موازنة العام المقبل. فالمشكلة هي تقاليد اللانقاش على مدى عقود، وليست النقاش الجدي الدائر اليوم. ومن الوهم تقزيم المعركة بالحديث عن أهداف سياسية تحت عناوين المال والاقتصاد. إذ لا مال ولا اقتصاد من خارج السياسة.


والمسألة تتجاوز ما يسمى (فن الموازنة) المتغير. فهو كان، حسب جون باتيست كولبير وزير المال أيام الملك لويس الرابع عشر، (ان تنتف أكبر كمية من الريش بأقل كمية من الاستهجان والصراخ). وهو اليوم في لبنان كما كان منذ عقدين حيث التنافس على زيادة الأرقام، أن تزرع أكبر كمية من الريش بأكبر قدر من الاستهجان والصراخ. أي أن تنتف ريش الفقراء وتزرع الريش للأثرياء. وليس ذلك سوى حيلة للحفاظ على سياسة مالية واقتصادية ليست متوازنة في الإنماء ولا عادلة في توزيع الأعباء.




ذلك أن أهم قانونين في الأنظمة الديمقراطية هما قانون الانتخاب وقانون الموازنة. الأول يجب أن يكون مصمماً لتظهير التمثيل الشعبي السليم والصحيح وتجديد نخبة الحكم وإخراجه من الأزمات. والثاني هو الذي يحدد على مدى عام اتجاه السياسة المالية والاقتصادية، بحيث يزيد من فرص الانتاج والنمو ويجد حلولاً للعجز والدين العام ويصحح الاختلالات عبر وسائل عدة بينها إصلاح النظام الضريبي لجهة العدالة.


لكن اللعبة في لبنان ليست كذلك. فقانون الانتخاب، بكل الصيغ التي جاء فيها، كان ولا يزال أداة لإعادة إنتاج التركيبة السياسية الحاكمة نفسها، وحراسة أزمة النظام، وإبقاء النادي السياسي مغلقاً في وجه النخب المغايرة، لا (الجديدة) التي تأتي بها التركيبة القديمة لخدمة مصالحها. وقانون الموازنة في كل سنة، أقله منذ نهاية الحرب، كان ولا يزال أسير سياسة مالية واقتصادية قادت الى دين عام بأرقام فلكية وعجز سنوي في الموازنة التي يذهب أكثر من ثلثيها لخدمة الدين العام والرواتب. والقليل الباقي للمشاريع الاستثمارية التي يحتاج لبنان الى ما هو أكثر منها، وتحتاج هي الى رؤية مستقبلية للإنماء المتوازن وإعادة توزيع الثروة وليس مجرد خلق الثروة.


وليس النقاش الحالي سوى بداية نتمنى أن تؤسس لنوع من القطع مع الماضي، قبل الحديث عن الهدر والفساد والرشاوى. لكن الوقائع في لبنان تغلب التوقعات عادة. والتجربة كانت مرة في تراجع الجميع عن النظام النسبي في قانون الانتخاب.