//Put this in the section //Vbout Automation

اللبـــناني المرجــــوّ ظهــــوره – المطران جورج خضر – النهار

حزني لم يدرك بعد درجة اليأس لأن من أبناء شعبي من بلغ القداسة حقا. عندنا حياة روحية كثيفة. هذه تنزل من الله في كل الشعوب ولا يصنعها تراب بلد ولا مناخه ولا تاريخه. الأخلاق الحسنة ثمرة لها لكن أعماقها تفوق الأخلاق. هناك ناس فيهم دين حقيقي والله يعرفهم ويغذّيهم. هؤلاء يتخطّون كل عقل ووصف. لذلك لا يقعون تحت قلمي. غير أن الكثيرين يصدمون بمقدار ما هم يطلعون من هذا البلد الشقيّ، من تاريخه وسقطات تبدو ملازمة له. حسبي أن أشير إليهم وألتمس من الرب شفاءهم.

يلفتني في البحث عن المرض قول الكنيسة الأرثوذكسية إنها مستشفى أي يتحكّم في أبنائها أمراض روحية اذ تُقابلهم بالمسيح وتراهم على ضعف كبير. قد يصحّ هذا الوصف على الكثيرين من المواطنين. قال لي مرة أستاذ في الأمراض العقلية: لبنان بمراعاة النسبة العددية اكبر مصح في العالم. سألته عن السبب قال: مجانين البلدان الراقية يفحصهم الاختصاصيون في مستوصفات للأمراض العقلية بعد خروجهم من المصحّ لمعرفة ما اذا انتكسوا. نحن ليس عندنا مثل هذه المصحّات.

أعرف لاهوتياً أرثوذكسياً كبيراً وضع كتاباً في الأمراض الروحية. ليس المجال لمناقشته هنا. ولكن ما لا يترك مجالا للشك أمراضنا النفسية ولست كبيرا في فحصها. ولكن ما هو في متناول تأملاتنا جميعا هو المرض المتصل باجتماعياتنا وأعني بذلك موروث تقاليدنا وما هو الوقوع الفردي في الخطيئة، في الإغراء وذلك في مجتمعات راقية تحسب أنها على الرقيّ نفسه في الأخلاق، واذ بك تصدم بأن الأخلاق لا علاقة لها بالعلم. هنا يظهر لك أن حامل دكتوراه في أية مادة من المواد وماسح الأحذية واحد. وبعد التدقيق يظهر لبنان مستشفى تتكدّس فيه أمراض كثيرة لست أعرف من يعالجها.

أنا لست عالم اجتماع أو أنثروبولوجيا لأحلل أسباب أمراضنا. ولكن روي لي ان رشوات كثيرة ارتكبت في الانتخابات الأخيرة ما يدلّ على أن عددًا من أهلنا ضعفاء امام المال اي انهم لا يُقدّرون قدسية الخدمة العامّة وأهمية بلدتهم ولا فارق عندهم بين الذين يرئسون مجلسها البلدي أي لا يأبهون بجمال القرية وحسن السير فيها ونظافتها وصحتهم وصحة أولادهم. ببساطة القول هم غير جدّيين في العمل العامّ وكأنهم محصورون في ما هو كسبهم الفرديّ فقط وهو نفسه مرتبط بوضع البلد والبلدة أو المدينة أو القرية. أي ان عددا رهيبا من المواطنين يظن نفسه وعائلته قلعة محصّنة من كل جانب. لا يعرف على انحصار في الفردية أن ثمة ما يؤذيه وأنه اذا ارتقى خلقيا ترتقي عائلات أخرى وربما مجموعة عائلات.

•••

قد لا تحتاج الى تحصين مناقبيّ لتفهم ذلك. نوع من التربية ينعش فيك هذا الوعي ليجعلك تمتدّ منه الى الرؤية الاجتماعية.

غير أن ما جعلني في حال صداع فكرة العائلة في الانتخابات. لماذا بدءًا تصطفّ مع العائلة. هل تقول "عائلتي دائما على حق"؟ هل، بالضرورة، عائلتي ضد عيلة الجيران؟ جسامة الخطأ هنا -على صعيد التحسّس الاجتماعي- أني لست أرى أن اختلافي مع أهلي قد يفرضه الله عليّ لأن الله مع الصالحين وانت مع مرشح قد تعرفه تافهًا لكنّ ذويك اختاروه.

بكلام آخر أنتم قبيلة. كتبت كثيراً في هذا وأخشى أن أُكرّر نفسي. ولكن ما يَحضرني الآن أن القبيلة هي تلك الكتلة التي لا أثر فيها للفرد الا اذا انسلخ عنها وارتمى في حضن قبيلة اخرى او تبدّى في الصحراء وسُمّي صعلوكا. اللبناني مرشح للصعلكة اذا ساقته حريته أن ينسلخ عن جماعته او يبقى وحيدا. ولكن بعد أن اكتشفت الثورة الفرنسية مقولة الفرد وقالت انه مساوٍ لأي فرد آخر لم يبقَ مبرر للقبائل بطاقة العداوة التي فيها. انت، فردا مستقلا، تبقى ضمن ذاتك في أُمّة الله وفي المجتمع السياسيّ عضوا في الأُمّة السياسية التي تشكّل بلدك.

كيف الخروج من الجمعية الى الفردية، أي كيف الاستقلال وأن يستوعب دماغك وقلبك الوجود ولا يستوعبك أحد؟ أعرف أن هناك تشاورا بين شخصية وشخصية وليس بين عشيرة وعشيرة.

شغف المال هو عشق الخطيئة بامتياز، والجهاد فيه ليس بالأمر السهل، ولكن إن لم نعفّ عنه على المستوى الاجتماعي (صفقات سياسيين، رشى انتخابية وإدارية) لن تقوم للبلد قائمة. ولكن القيامة ممكنة اذا حلّت النعمة الإلهية علينا -وهذا بيد الله- واذا ربّينا أنفسنا على احترام الإنسان الآخر في عفّته ليستقيم رأيه ويستقيم سلوكه.

•••

تكوين مجتمع سليم عمل المؤسسة الدينية أولا، لكني أراها محتجبة عن هذا الموضوع وهي منهمكة فقط بالعبادات الظاهرة، والله نعبده بالروح والحق كما جاء في إنجيل يوحنا. تحريك النفوس لتطهر لا أراه كثير الانتشار في الأوساط الدينية. اذا استعرت الصيغة الإسلامية في الكلام أقول أنت لا تقفز من دنياك الى آخرتك بسهولة العبادة المفروضة ولكن بتقويم النفس في هذه الدنيا، فإذا انت طوّعت فيها نفسك للرب تفتح لك الآخرة أبوابها.

المجال الثاني مجال العمل الوطنيّ في ما يتعدّى إطار الطوائف. روابط ثقافية مسيّسة، أحزاب، جماعات ضاغطة في سعي الى ظهور المجتمع المدني الذي من شأنه أن يقوّي الفرد من جهة وأن يُظهر الجماعة المتماسكة عضويا بلا قبليّة. هذا المجتمع نظريا بوتقة تنصهر فيها القبائل ليطلع الوطن.

المجال الثالث الذي يساعد على تكوين الأُمّة السليمة هو الدولة المفروض فيها عدم الانحياز الى الوجوه وإقامة العدل الذي يربّي على استقلال الفرد والثقة بأن الحاكم أب لجميع بنيه. الحكم يربّيك وانت بفضائلك تربّيه. ما يحزنني أن شعبنا لا يؤمن بالدولة لعدم إيمانه بالبنية او الهيكليّة. هو شعب ينتشي بالزجل والغناء ويعتقد أن ما يجري في خياله وأساطيره يكفي حياته النفسية. قليل الإيمان بالانضباط، بالكلمة الوافي والدقيق معناها. لا يحب حكم الله في شهواته. يحصّنه ماله او نفوذه او العيش في ظلّ الأقوياء. شعب دائم الخوف. طمأنينته الى الله لا تتجاوز حد ذكرها لأنه يظنّ أن الله يستره دون أن يبذل هو جهدا لوضع نفسه حقيقة تحت جناحيه.

هذا انسان مهزوم امام مرارة الواقع ويؤثر الوقوع على بنيان نفسه من جديد لأنه يحب أن يبكي وله في هذا انتعاش، ولم يسمع أن الحياة تقويم للنفس في جهاد مستمر اي انها تعب ووجع، ولا يعرف أن الفرح يأتي من الصبر على الملمّات وتجاوزها بالإيمان العظيم والنسك العظيم.