//Put this in the section //Vbout Automation

امتناع مجلس الوزراء عن التصويت: الاختلاف ظاهراً والتلاقي باطناً – نقولا ناصيف – الاخبار

أحاط بعدم توافق مجلس الوزراء مساء الأربعاء على قرار موحّد من تصويت لبنان في مجلس الأمن غموض. كان رئيس الجمهورية التوافقي مع قوى 8 آذار، ورئيس حكومة كل لبنان مع قوى 14 آذار. من خلالهما، كانت سوريا حاضرة أيضاً في عدم التوافق هذا، فلم ينفّرها ما حصل، وكانت تتوقعه

بعد خروجهما من خلوتهما، في طريقهما إلى جلسة مجلس الوزراء، ارتسم في الظاهر على ملامح الرئيسين ميشال سليمان وسعد الحريري الارتباك والإحراج. لم يتوصلا إلى موقف مشترك يتخذه لبنان الرسمي في جلسة تصويت مجلس الأمن على فرض عقوبات دولية على إيران الأربعاء أيضاً، ولم يكونا متيقنين من المعلومات المتوافرة لديهما عن مسار جلسة مجلس الأمن، وكان معظم تلك المعلومات متضارباً: قال بعضها إن تركيا ستمتنع عن التصويت، والبعض الآخر إنها ستصوّت ضد. وقال بعضها إن موقفَي تركيا والبرازيل موحّد، والبعض الآخر إنه متباين. قالت بعض المعلومات إن الأميركيين يجرون اتصالات رفيعة المستوى مع أنقرة من أجل إمرار جلسة مجلس الأمن بلا صعوبات. وهكذا استمر الموقف اللبناني الرسمي معلقاً إلى الساعات الأخيرة، رغم أن كلاً من وزراء قوى 8 و14 آذار تأكد باكراً من موقفه وألمّ بموقف الفريق الآخر.

في المقابل، قبل ساعات من انعقاد جلسة مجلس الوزراء، كان رئيس الجمهورية واثقاً من أن التصويت سيفضي إلى تعادل الأصوات بعد احتساب غياب الوزيرين محمد الصفدي وعدنان القصّار. ذلك أن حضورهما الجلسة كان سيرجّح كفة قوى 14 آذار، فتجمع 16 صوتاً هي نصاب النصف + 1: لأن الصفدي عضو في هذا الفريق، ولأن موقع القصّار القريب من الحريري يُعادل موقع الوزير عدنان السيد حسين القريب من رئيس الجمهورية والمعارضة في آن، فكان أن صوّت إلى جانب سليمان وقوى 8 آذار.

لكن ما حدث في جلسة مجلس الوزراء يشير أيضاً إلى المعطيات الآتية:

1 ـــــ مع أن رئيس الجمهورية، تبعاً للدستور، لا يصوّت في مجلس الوزراء، إلا أن أربعة من وزرائه الخمسة وقفوا في صف قوى 8 آذار بالتصويت ضد قرار العقوبات على إيران. واستناداً إلى مطّلعين عن قرب على موقف الرئيس، فهو شجّع وزراءه على التصويت ضد القرار، وألحّ على هذا الخيار بطلبه من وزير الدفاع الوطني الياس المرّ ووزير الداخلية زياد بارود الإدلاء بصوتيهما علناً، بعدما قالا عندما بلغ دوراهما إن موقفهما مماثل للوزيرين الآخرين السيد حسين ومنى عفيش. واقترن تأييد الرئيس للتصويت ضد العقوبات بثلاثة دوافع:
أولها تقديره أن المصلحة العليا تقضي بأن يثبّت التوازن في مجلس الوزراء، متمسكاً بدوره التوافقي بينهما الذي لا يكتفي بالحياد، بل أيضاً بضبط ميزان القوى من الداخل.
وثانيها أنه مقدار ما تعتبر الدول العربية لبنان يمثّلها في مجلس الأمن، وهي رشحته للمقعد غير الدائم، يقتضي أن يأخذ هو في الاعتبار موقفاً عربياً واحداً من التصويت في مجلس الأمن، فلا يعكس انقسام العرب. واقع الأمر أن سفراء الدول العربية لدى المنظمة الدولية لم يجتمعوا، ولا اتخذوا فرادى موقفاً علنياً من التصويت. فرجّح سليمان عندئذ كفة الدافع الداخلي على الخارجي.
وثالثها انتظار الموقف التركي النهائي من التصويت الذي ظلّ غامضاً حتى موعد انعقاد الجلسة.

2 ـــــ بدا رئيس المجلس نبيه برّي الأكثر انسجاماً في موقفه عندما وضع له حدّين: أدنى هو أن لا يُبنى موقف لبناني دون الموقف التركي في مجلس الأمن، وأقصى هو التصويت ضد قرار العقوبات. مذ أثير فرض عقوبات على إيران وتصويت لبنان عليها، تمسّك برّي بوجهة نظره، مبرّراً إياها بالوقوف إلى جانب القوى التي دعمت المقاومة، سواء إيران برفض فرض عقوبات عليها، أو تركيا التي تقدّمت الدول العربية في إدانة إسرائيل عدوانها على غزة ثم مهاجمتها أسطول الحرية.

3 ـــــ كان الحريري الأكثر تردّداً وحيرة في الموقف النهائي الذي لم يتخذه من قرار العقوبات إلا في الساعات الأخيرة. مع ذلك أوحى بالمنحى الذي يرغب في أن تسلكه حكومته، وهو الامتناع عن التصويت في مجلس الأمن، وأسرّ به إلى الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في اجتماعهما الأخير قبل أيام، وعرفه وزيرا حزب الله، فضلاً عن أن الحزب تفهّم الأسباب التي حملت الحريري على القول بالامتناع، من غير أن يؤيده فيه.

4 ـــــ خلافاً لقوى 8 آذار التي بكّرت في رفض قرار العقوبات، ترجّحت قوى 14 آذار، في معرض الدفاع عن تأييدها امتناع لبنان عن التصويت، بين القول إن الدول العربية لم تفوّض إلى لبنان ـــــ وهو ممثلها في المقعد غير الدائم في مجلس الأمن ـــــ التصويت ضد قرار العقوبات أو معه. وربطت بين حقّ التصويت للبنان وطبيعة وجوده في مجلس الأمن نيابة عن العرب.
واقع الأمر أن لاقرار مجلس الوزراء من التصويت على فرض عقوبات على إيران، جنّب لبنان ورطة داخلية بين فريقي اختبرا لأول مرة التصويت في ملف يعدّه فريق هو 8 آذار في نطاق الخيارات الاستراتيجية، وآخر هو قوى 14 آذار أدرجه في نطاق توازن علاقات لبنان بجواره والمجتمع الدولي. لكن خلاصة ما حدث في مجلس الوزراء تلقي ظلالاً لافتة على دورَي رئيسَي الجمهورية والحكومة:

ـــــ بتصويت وزرائه الأربعة مع قوى 8 آذار، أعاد رئيس الجمهورية الاعتبار إلى توزّع القوى في حكومة الوحدة الوطنية وفق معادلة 15+10+5 التي تضع بين يديه ترجيح كفة على أخرى، أو الحؤول دون ذلك. لم يجعل قوى 8 آذار، وخصوصاً رئيس المجلس وحزب الله يشعران بالانكسار في مجلس الوزراء، مع أن برّي كان صاحب النبرة الأعلى في رفض قرار العقوبات، ولم يُتح في المقابل ـــــ عندما تفادى الوقوف على الحياد أو امتناع وزرائه عن التصويت ـــــ تغليب كفة قوى 14 آذار كي تفرض على مجلس الوزراء اتخاذ قرار يرفضه نصفه الآخر ويدرجه في نطاق خيارات استراتيجية لا تحسم بالتصويت.

هكذا انتهت الجلسة إلى قرار ترجمه رئيس بعثة لبنان لدى الأمم المتحدة والعضو غير الدائم في مجلس الأمن السفير نواف سلام بامتناع لم يعزُه تبعاً لتقاليد الامتناع إلى رفض ضمني للقرار، بل إلى تعذّر الحكومة اللبنانية اتخاذ قرارها من التصويت في مجلس الأمن. وهو أمر يفضي إلى امتناع حكمي استجاب، في إحدى نتائجه على نحو غير مباشر ـــــ وإن لم يشأ هو أو حلفاؤه الجهر بذلك ـــــ ما يريده رئيس الحكومة، وهو الامتناع عن التصويت.

ـــــ على أبواب قمّته الثالثة مع الرئيس بشّار الأسد الثلاثاء المقبل، يذهب رئيس الجمهورية إلى هناك متسلحاً بأسباب كافية لتوطيد علاقته بالأسد والثقة باقتناعات لا تتزحزح حيال الخيارات الاستراتيجية التي يلتقي عليها لبنان وسوريا. بالتأكيد سيسمع الرئيس اللبناني من نظيره السوري إطراء على موقف وزرائه في مجلس الوزراء الذي يعني في نهاية المطاف تصويت الرئيس نفسه في مجلس الوزراء، وملاقاته قوى 8 آذار في الموقف من المقاومة والصراع مع إسرائيل، والنظرة الإيجابية إلى دوري تركيا وإيران في المنطقة وفي مواجهة الدولة العبرية. ورغم أنه لم يجرِ تنسيق علني بين الرئيسين اللبناني والسوري، أو بين الحريري والأسد، أو بين وزارتي الخارجية، اتخذ سليمان موقفاً افترق فيه عن الحريري ظاهراً، وتلاقى وإياه باطناً من ضمن مقاربة مفادها أن كلا موقفيهما المتعارضين يحظى بتأييد الأسد.
 
لم تتخذ سوريا بدورها موقفاً معلناً من تصويت مجلس الأمن على العقوبات، ولا حضّت في الظاهر على الأقل لبنان على ما ترغب في أن يكون تصويته في نيويورك، بل اقتصر ردّ فعل دمشق من قرار العقوبات على ما قاله الأسد بعد لقائه رئيس الوزراء التركي رجب طيّب أردوغان الاثنين الماضي (7 حزيران)، من أن سوريا تقف إلى جانب تركيا، في إشارة إلى تطابق موقفي أنقرة ودمشق من قرار فرض عقوبات على إيران.

ـــــ استبق رئيس الحكومة موقف قوى 14 آذار بتأييد الامتناع عن التصويت، بغطاء عربي كانت سوريا جزءاً لا يتجزأ منه، سواء بزيارته الأسد فور عودته من واشنطن، أو بجولته الأخيرة على الرياض والقاهرة وعمّان. ورغم أن لا موقف عربياً معلناً، فإن الاتصالات الثنائية التي أجراها السفراء العرب في نيويورك، من غير أن تتوّج باجتماع عام ينبثق منه قرار موحّد، عبّرت عن رغبة في موقف متقارب لا يخرج منه أي طرف. وهكذا لم تقل سوريا صراحة إنها مع التصويت ضد قرار العقوبات، وقد يكون كذلك في قرارة قيادتها، بيد أنها لم تقف موقف المناوئ للامتناع عن التصويت، ولا أرسلت إشارات إلى رئيس الحكومة اللبنانية بملاقاة الموقف المبدئي لرئيس المجلس وحزب الله من رفض قرار العقوبات.

اقترن ذلك بمعطيين: أولهما أن العرب على وفرة ما بين معظم دولهم وإيران من أزمات، لم يذهبوا إلى الموقف الأميركي عرّاب فرض عقوبات على إيران، وثانيهما أن قوى 14 آذار بدورها ـــــ من داخل توازن القوى الداخلي ـــــ لم تغالِ على وفرة انتقاد أحزابها ما تسمّيه تدخلاً إيرانياً في الشؤون اللبنانية وتعريض لبنان لمواجهة عسكرية مع إسرائيل، في طلب التصويت مع قرار العقوبات، متبنية الامتناع الذي لا يعدو في نتائجه إلا صورة طبق الأصل عن رفض فرض العقوبات، لكونه يحرم المنادين بتلك العقوبات صوتاً إضافياً.