//Put this in the section //Vbout Automation

أيّهما أجدى للسينودس: جزيرة معزولة، أم رابية؟ – جان عزيز – الأخبار

لم تتوقف التساؤلات طوال يومين في قبرص: لماذا هذه الزيارة الآن للحبر الأعظم؟ وإلى تلك الجزيرة بالذات؟ كل الإجابات المعطاة في الأجواء والمناخات المحيطة بالحدث، بدت عاجزة عن إصابة الإقناع الكامل.


بعض الكلام الإعلامي والكنسي هناك تحدث عن مقاربة مسكونية جديدة أو متجددة للبابا مبارك السادس عشر، على خلفية إيجاد الأسس اللازمة لهدفه القديم الجديد: إعادة تبشير أوروبا ومواجهة حركة «الدينوة» المتنامية في القارة العجوز. غير أن السؤال الذي يتبادر سريعاً إلى الأذهان حيال تلك الفرضية، هو ما إذا كان اختيار قبرص صائباً ومثالياً لمقاربة كهذه. لماذا لم تبدأ الخطوة في بلد أرثوذكسي كبير، مثل اليونان، كما فعل يوحنا بولس الثاني قبل نحو عقد، أو مثل صربيا إذا كان المطلوب «مصالحة» عميقة؟ أو حتى مثل «روسيا المقدسة»، في مقاربة للخطوة الحلم؟





بعض الكلام الآخر جاء عن تلك الفرضية الغربية، ليسوق أخرى أكثر اتجاهاً صوب الشرق: خطوة البابا هذه، الهدف منها مقاربة «المسألة الشرقية» في آخر ما بقي منها، أو في محاولة إنقاذ آخر فصولها وفلولها. غير أن تساؤلاً آخر تثيره هذه الفرضية: ولماذا لم يُختَر بلد مشرقي بالكامل لإطلاق مبادرة كهذه؟ لماذا ليس من سوريا، كما فعل أيضاً سلفه الراحل على خطى مار بولس؟ ولماذا ليس من لبنان، وخصوصاً أن مناسبة مثالية تقدم نفسها بعد ثلاثة أسابيع، إطاراً نموذجياً لذلك، عبر حدث تطويب المكرّم الأخ أسطفان نعمة؟


والتساؤلات تلك زادتها حدة ومشروعية الجوانب اللافتة التي رافقت الحدث القبرصي، من انتقادات لاذعة من بعض «أرثوذكسيي» الأرثوذكس في الجزيرة، وصولاً إلى هزالة الحضور الشعبي وتواضع الحدث الكنسي الذي انبثق من ذلك الحضور.


غير أن الفرضية الثالثة تبدو الأكثر قدرة على طرح علامات الاستفهام: جاء البابا إلى قبرص ليسلّم بطاركة الشرق وثيقة «أداة العمل» الخاصة بالسينودس المخصص للحضور المسيحي في الشرق الأوسط، والمقرر عقده الخريف المقبل. وفي هذه الحالة تغزر التساؤلات أكثر، وتكبر على وقع التطورات الحاصلة في المنطقة. فباستثناء أن يكون من القائلين بقبرص «نجمة» للهلال المشرقي، ما من معطى عقلاني آخر قادر على تفسير الخطوة. وما يزيد من مفارقتها تلك المصادفة في حصولها في وقت كان فيه العلم التركي يحاصر من البحر حصار إسرائيل لأرض غزة، فيما العلم الإيراني يرتفع من صوب «الجبهة الشرقية» عند مارون الراس، فيما المشروع العربي في حالة انهيار كامل، لم ينج منه غير التموضع السوري على كتفي القوّتين العظميين الجديدتين في المنطقة، والمصنفتين ضمن «الجوار» غير العربي.


وقد يرى البعض في هذين التطورين، وفي تعاظم نفوذ هاتين القوتين الصاعدتين، إرهاصات مقلقة حيال مفاهيم الفكر السياسي الذي عاشته المنطقة طوال قرن ونيّف مضى. وقد يكون هذا القلق مشروعاً، والتدقيق فيه مطلوباً. غير أن المؤكد أن مواجهة هاتين القوتين «البريّتين» انطلاقاً من «جزيرة» معزولة ـــــ بالمفهوم السياسي لسياق الحدث وهدفه ـــــ لا تقدم النموذج الأفضل لمفهوم الواقعية السياسية و«الحكمة» المطلوبة في تعاطي الشأن العام، كما يقتضي التقليد الكنسي للكلمة.


باختصار كبير، تشير كل إشكالية الموضوع المطروح على السينودس المقبل، إلى أن مسيحيي هذه المنطقة عاشوا ويعيشون منذ عقود طويلة حالة استلاب أو تغرُّب: روحهم ذهبت غرباً، فيما جسدهم لا يزال شرقاً. بينما الغرب مصالحه باتت في شرق، غير الشرق الذي يعيشه المسيحيون، وواقعه في غرب لا علاقة له إطلاقاً بالغرب الذي يتوهّمه المسيحيون. حالة استلاب نتجت منها سلسلة لا تنتهي من حلقات الأوهام، فالهزائم، فالخيبات، فالنزف…


على وقع «حدث» أسطول الحرية، وما سبقه وما يرتقب أن يليه شرقاً أوسطياً وأوروبياً وحتى أميركياً، خُيّل للبعض لوهلة أن أحداً سيقف فجأة ويهمس في أذن الحبر الأعظم: لنمسح نعالنا عند أعتاب هذه الجزيرة، ولنذهب فنعلن «أداة العمل» لما بقي من مسيحيي المشرق من مكان آخر أكثر ظهوراً. من مكان يستحق أن يوضع فوقه المكيال، من جبلٍ ما، أو من رابية… على الأقل.